وهذه قصة يوسف - الذي تربى في مصر ونشأ فيها ولم تبهجه زخارف تلك المدنية إلى الرذيلة - جاءت عبرة للناس كافة وإلى المصريين خاصة ! بهذه الأخلاق اعتلى يوسف عرش العظمة والجلال ، فساس مصر بعد أن كان مسوساً ، وملك بعد أن كان مملوكاً ! ليس الجزاء على الأخلاق والكمال خاصاً بالآخرة ، بل في الدارين: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [يوسف: 56 - 57] .
هذه هي الأخلاق الفاضلة ، ذكرت في التنزيل نموذجاً ، في غضون هذه السيرة ، للأمم الإسلامية ؛ ليأخذوا ثمرتها ولا يضيعوا الزمن في أصلها وموردها في التاريخ ، كما يجمد المفسر على الإعراب أو الصرف أو البلاغة ، وهذا غيض من فيض من حكم هذه القصة ، وبها نفهم ما ذكر في أولها: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} [يوسف: من الآية 3] ، دع قول الجاهلين ، وفهم المتنسكين ، وتجاوز خلط المؤرخين ، واختلافهم ، واصغ إلى ما في هذه القصة من هيئة تربية الحكام والأمراء ، كما أشرنا سابقاً ، ولنزدك بياناً !: