فهرس الكتاب
ونَصِفُ الدَّمْعة بأنها"عَبْرة"؛ والحزن المدفون في النفس البشرية تدل عليه الدَّمْعة .
وهنا قال الحق سبحانه: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب ...} [يوسف: 111]
والعِبْرة قد تمرُّ ، ولكن لا يلتفت إليها إلا العاقل الذي يُمحِّص الأشياء ، أما الذي يمرُّ عليها مُرور الكرام ؛ فهو لا يستفيد منها .
و"أولو الألباب"هم أصحاب العقول الراجحة ، و"الألباب"جمع"لُبّ". واللب: هو جوهر الشيء المطلوب ؛ والقَِشْر موجود لصيانة اللُّبِّ ، وسُمِّي العقل"لُبّاً"لأنه ينثرُ القشور بعيداً ، ويعطينا جوهر الأشياء وخيرها .
ويتابع الحق سبحانه: {مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ...} [يوسف: 111]
أي: أن ما جاء على لسانك يا محمد وأنزله الحق وَحْياً عليك ليس حديث كَذبٍ مُتعمَّد ؛ بل هو الحق الذي يطابق الكتب التي سبقتْه .
ويُقال:"بين يديك"أي: سبقك ؛ فإذا كنت تسير في طابور ؛ فَمَنْ أمامك يُقال له"بين يديك"، ومَنْ وراءك يُقال له"مَنْ خلفك".
والقرآن قد جاء ليصدق الكتب التي سبقتْه ؛ وليست هي التي تُصدِّق عليه ؛ لأنه الكتاب المهيمن ، والحق سبحانه هو القائل: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ...} [المائدة: 48]
ويضيف الحق سبحانه في نفس الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ...} [يوسف: 111]
فالقرآن يُصدِّق الكتب السابقة ، ويُفصِّل كل شيء ؛ أي: يعطي كل جزئية من الأمر حُكْمها في جزئية مناسبة لها . فهو ليس كلاماً مُجْملاً ، بل يجري تفصيل كل حُكْم بما يناسب أيَّ أمر من أمور البشر .
وفي أعرافنا اليومية نقول:"فلان قام بشراء بذلة تفصيل". أي: أن مقاساتها مناسبة له تماماً ؛ ومُحْكمة عليه حين يرتديها .