فهرس الكتاب
{قَالَ رَبّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ} [يوسف: 33] قيل: لأن السجن مقام الإنس والخلوة والمناجاة والمشاهدات والمواصلات وفيما يدعونه إليه ما يوجب البعد عن الحضرة والحجاب عن مشاهدة القربة ، وقيل: طلب السجن ليحتجب عن زليخا فيكون ذلك سبباً لازدياد عشقها وانقلابه روحانياً قدسياً كعشق أبيه له ، وقال ابن عطاء: ما أراد عليه السلام بطلب ذلك إلا الخلاص من الزنا ولعله لو ترك الاختيار لعصم من غير امتحان كما عصم في وقت المراودة {ذلك مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس} [يوسف: 38] قال أبو علي: أحسن الناس حالاً من رأى نفسه تحت ظل الفضل والمنة لا تحت ظل العمل والسعي {يَشْكُرُونَ ياصاحبى السجن ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار} [يوسف: 39] دعاء إلى التوحيد على أتم وجه ، وحكي أن رجلاً قال للفضيل: عظني فقرأ له هذه الآية {وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا اذكرنى عِندَ رَبّكَ} [يوسف: 42] كان ذلك على ما قيل غفلة منه عليه السلام عما يقتضيه مقامه ويشير إليه كلامه ، ولهذا أدبه ربه باللبث في السجن ليبلغ أقصى درجات الكمال والأنبياء مؤاخذون بمثاقيل الذر لمكانتهم عند ربهم ، وقد يحمل كلامه هذا على ما لا يوجب العتاب كما ذهب إليه بعض ذوي الألباب