فهرس الكتاب
وقوله - سبحانه - {إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين} استثناء من الضمير في {لمنجوهم} ، إخراجا لها من التنجية. أي: إلا امرأة لوط - عليه السلام - فليست ممن سننجيه، بل هي ممن سنهلكه مع القوم المجرمين.
(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ(65)
قال صاحب الكشاف:
فإن قلت ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات؟
قلت: قد بعث الله الهلاك على قوم لوط، ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم وخرج مهاجرا فلم يكن له بد من الاجتهاد في شكر الله، وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك، فأمر بأن يقدِّمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه، وليكون مطلعًا عليهم وعلى أحوالهم، فلا تفرط منهم التفاتة احتشاما منه ولا غيرها من الهفوات في تلك الحال المهولة المحذورة، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، وليكون مسيره مسير الهارب الذي يقدم سربه ويفوت به.
{لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف وصل هذا بما قبله؟
قلت: يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة وإن عظمت فهي إليها حقيرة ضئيلة، وهي القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا...
قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحدًا أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيمًا، وعظم صغيرًا.
وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي رافع صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شيء يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من في السماء، وأمين من في الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا".