فهرس الكتاب
{وإذ قال إبراهيم}
واذكر وقت قول إبراهيم في مناجاته أي بعد الفراغ من بناء البيت رب اجعل هذا البلد آمنا أهله بحيث لا يخاف فيه من المخاوف والمكاره كالقتل والغارة والأمراض المنفرة من البرص والجذام ونحوهما فإسناد الأمن إلى البلد مجاز لوقوع الأمن فيه وإنما الآمن في الحقيقة أهل البلد واجنبني وبني يقال جنبه كنصره وأجنبته وجنبته أي أبعدته.
والمعنى بعدني وإياهم أن نعبد الأصنام واجعلنا منه في جانب بعيد، أي ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام.
قال بعضهم: رأى القوم يعبدون الأصنام فخاف على بنيه فدعا.
يقول الفقير: الجمهور على أن العرب من عهد إبراهيم استمرت على دينه من رفض عبادة الأصنام إلى زمن عمرو بن لحي كبير خزاعة فهو أول من غير دين إبراهيم وشرع للعرب الضلالات وهو أول من نصب الأوثان في الكعبة وعبدها، وأمر الناس بعبادتها وقد كان أكثر الناس في الأرض المقدسة عبدة الأصنام وكان إبراهيم يعرفه فخاف سرايته إلى كل بلد فيه واحد من أولاده فدعا فعصم أولاده الصلبية من ذلك، وهي المرادة من قوله: وبنى فإنه لم يعبد أحد منهم الصنم لا هي وأحفاده وجميع ذريته وذلك لأن قريشاً مع كونهم من أولاد إسماعيل عبادتهم الأصنام مشهورة وأما قوله تعالى في حم الزخرف: {وجعلها كلمة باقية في عقبه} (الزخرف: 28) فالصحيح أن هذا لا يستلزم تباعد جميع الأحفاد عن عبادة الأصنام بل يكفي في بقاء كلمة التوحيد في عقبه أن لا ينقرض قرن ولا ينقضى زمان إلا وفي ذريته من هو من أهل التوحيد قلوا أو كثروا إلى زمان نبينا صلى الله عليه وسلّم وقد اشتهر في كتب السير أن بعض آحاد العرب لم يعبد الصنم قط ويدل عليه قوله عليه السلام:"لا تسبوا مضر فإنه كان على ملة إبراهيم"هذا ما لاح لي من التحقيق ومن الله التوفيق.