سورة الحجر (الآية 96) (2)
قول الله - تعالى ذكره وجلَّ ثناؤه:"الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" [الحجر: 96] .
فإنَّ الله - تبارك اسْمُه، وتعالى جَدُّه - يقول لعبده ورسوله الكريم محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- ولكلِّ وارثٍ عن هذا الرسولِ رسالتَه، وقائمٍ في الدعوة إلى إخلاص العبادة والطاعة لله مقامَه: فإذا آمنْتَ أن ربَّك قد آتاك من العلم، والحكمة، والهدى، والسَّداد والرَّشاد في العقيدة والقول والعمل، بِما أوحى إليك من هذا القرآن العظيم، الذي تدعو ثَمراتُه الحلوة الطيِّبةُ إلى تثنية قراءته، ولزوم العَوْد إليه ما دامت الحياة، وما أمدَّك ربُّك به مع هذا القرآن العظيم مِمَّا يغنيك كلَّ الغِنَى عن أن تَمُدَّ عينَك إلى ما يستمتِعُ به الكافرون بالله ونِعَمِه وآياته، وسننه وحكمتِه - من زهرة الحياة الدُّنيا، التي لا تلبث أن تَذْبُل وتَذْوِي، وتعود في قلوب المفتونين بِها وفي نفوسهم كالِحَة، بل حُطامًا تذروه الرِّياح، فتكون حسراتٍ تسودُّ لها وجوههم.
إذا آمنْتَ بِما أعطاك ربُّك من كلِّ هذا - وهو ذو قوَّة ومتانة، لا يضعف ولا يَهِنُ؛ فإنَّه الحقُّ الثابت على وَجْه الدَّهر، لا يتبدَّل ولا يتغيَّر، وهو الثابت لا يُغلَب ولا يقهر - فاصْدَع به باطِلَ هؤلاء المغرورين المخدوعين، الغارقين في حَمأة الأوهام والخرافات والأباطيل، فما زعموه جدارًا يسدُّون به طريق الحق ودعوة الصِّدق، وما توَهَّموه عقباتٍ كَأْدَاء يصدُّونك ويصدُّون الناسَ بِها عن الاستقامة على صراط العزيز الحميد، إنَّما هو سرابٌ وخيال في أدمغتِهم الخاوية، فإنَّهم ما أقاموه إلاَّ من طواغيتهم الباطلة، ومن عقائدهم الزَّائفة، ومن رئاساتهم الكاذبة، ومن دجَلِهم وتلبيسهم على أشباه الأنعام، المنسلخين من آيات الله، المقيَّدين بأغلال التقليد الأعمى لأولئك الرُّؤساء.