أي: يوم القيامة ، والداعي هو المنادي ، والناس هم المدعوون ، والنداء على الناس في هذا اليوم لا يكون بفلان بن فلان ، بل ينادي القوم بإمامهم أي: برسولهم ، فيقال: يا أمة محمد ، يا أمة عيسى ، يا أمة موسى ، يا أمة إبراهيم.
ثم يُفصّل هذا الإجمال ، فتُنادى كل جماعة بمَنْ بلَّغهم وهداهم ودَلَّهم ليُغري الناس بنقل الفضل العلمي من أنفسهم إلى غيرهم.
وقال بعضهم {بِإِمَامِهِمْ} أي: بأمهاتهم ، وفي دعاء الناس بأمهاتهم في هذا الموقف تكريم لعيسى عليه السلام أولاً ، وسَتْر على أولاد الإثم ثانياً ، حتى لا يُفضحوا على رؤوس الأشهاد في مثل هذا الموقف.
ثم يقول تعالى: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَائِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [الإسراء: 71]
فكوْنه أخذ كتابه بيمينه ، فهذه بشارة الخير وبداية السلامة ، فإذا به يسارع إلى قراءته ، بل ويتباهى به بين الناس قائلاً: {هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} [الحاقة: 19] إنه مسرور بعمله الصالح الذي يحب أنْ يطلع عليه الناس ، وقوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [الإسراء: 71]
الظلم أنْ تأخذ من خير غيرك مما ليس عندك ، إذن: فعندك نقص في شيء تريد أنْ تحصل عليه ظلماً ، إذن: فماذا ينقص الحق سبحانه وتعالى حتى يظلم الخَلْق؟! إن الخلق يتصفون بالظلم ؛ لأن الإنسان عادةً لا يرضى بما قسم الله له ؛ لذلك يشعر بالنقص فيظلم غيره ، أما الله عز وجل فهو الغني عن الخَلْق ، فكيف يظلمهم؟ وهم جميعاً بما يملكون هِبة منه سبحانه.
ومعنى {فَتِيلا} عادةً يضرب الحق سبحانه وتعالى الأمثال في القرآن بالمألوف عند العرب وفي بيئتهم ، ومن مألوفات العرب التمر ، وهو غذاؤهم المفضّل والعَلف لماشيتهم ، ومن التمر أخذ القرآن النقير والقطمير والفتيل ، وهي ثلاثة أشياء تجدها في نواة الثمرة ، وقد استخدمها القرآن في تمثيل الشيء الضئيل القليل.