وقولهَ عَزَّ وَجَلَّ - (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا(106) بالتخفيف والتثقيل (فَرَقْنَاهُ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَرَقْنَاهُ) بالتخفيف، أي: أحكمناه، وثبتناه؛ حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: فرقناه، وقطعناه في الإنزال سورة فسورة، وآية فآية على ما أنزل.
(لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) .
فهو. واللَّه أعلم. لوجوه:
أحدها: ما ذكر في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ...) ، أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه إنما أنزله بالتفاريق؛ ليثبت به فؤادك؛ لأن ذلك أثبت في القلب وأيسر في الحفظ.
والثاني: أنزله بالتفاريق على قدر النوازل؛ لتتجدد لهم البصيرة، وتزداد لهم الحجة بعد الحجة، ولو كان جملة لم يكن ليتجدد لهم ذلك، ولا تزداد لهم البصيرة.
أو أن يكون أنزله بالتفاريق للتنبيه؛ لينبههم في كل وقت، ويعظهم في كل حال؛ إذ ذلك أنبه لهم، وأوعظ من أن يكون منزلًا جملة واحدة، ألا ترى أن الآية إذا دامت تكون في التنبيه أقل، وإذا كانت متقطعة في الأوقات، كانت أخوف وأنبه، نحو كسوف الشمس بالليل، صار بالدوام غير مخوف، ولا منبه لهم للدوام، وكسوفها بالنهار، صار تنبيهًا؛ للانقطاع؛ على ذلك الأول، واللَّه أعلم.