واستدلَّ لهُ أيضاً بأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لخالِدِ بْنِ الوليدِ:"لمَ قاتَلْتَ وقَدْ نَهَيْتكَ عنِ القِتال؟"قال: هم بَدَؤونا بالقتال، ووَضَعوا فينا السّلاحَ،
وأَشْعَرونا بالنَّبْلِ، وقد كفَفْتُ يدي ما استطعتُ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:"قضاءُ اللهِ خَيْرٌ".
وقال الجمهورُ من الفقهاءِ وأَهْلِ السِّيَرِ: فتحَها عَنْوَةً، حتى ادَّعى الماورديُّ انْفِرادَ الشافعيِّ بمقالتِه.
والصحيحُ ما ذهبَ إليهِ أبو عبدِ اللهِ؛ فإنه لو دخلَها عَنْوَةً، لَقَسَمَ غَنائِمها بينَ المسلمينَ، ولم يُنْقَلْ أنه قَسَمَ شيئاً، لا مِنْ دُورِها وعَقارها، ولا مِنْ شيءِ من أموالِها.
ويدلُّ للشافعيِّ أيضاً عَزْلُ النبيِّ سعدَ بنَ عبادَةَ لمَّا قال: اليومُ يوم المَلْحَمَة، اليومُ تُسْتَحَلُّ الحُرْمَةُ، شكا أبو سفيانَ ذلكَ إلى رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وناشَدُه اللهَ في قومِه، فعزلَهُ وجعلَ مكانه الزبيرَ بنَ العَوَّامِ.
* وفي الآية دليل على تعلُّقِ العِقاب على مجردِ إرادةِ المَعْصِيَةِ بمكةَ، وأن ذلكَ حكمٌ يختصُّ بِها من دُونِ سائر البلادِ.
قالَ ابنُ مسعودٍ - رضيَ اللهُ تَعالى عنه - في قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] : لو أن رجلاً هَمَّ بخطيئةٍ لم تكتَبْ عليهِ ما لم يَعْملْها، ولو أَنَّ رجلاً هَمَّ بقتلٍ عندَ البيتَ، وهو بِعَدَنِ أَبْيَنَ، لأذاقهُ اللهُ من عذابٍ أليم
(من أحكام الحج)
195 - (2) قوله عَزَّ وجَلَّ: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] .
"فيه دَلالةٌ على تَفْضيلِ المَشْي على الرُّكوبِ في الحَجِّ؛ لتقديمِه عليهِ في الذّكْرِ."
وبهِ قالَ أكثرُ أهلِ العلمِ؛ كمالكٍ، والشافعى في أحدِ قولَيْه، وهوَ المُختارُ عندي وِفاقاَ لأبي قاسمٍ الرافعيِّ.
لتقديمِ اللهِ سبحانَهُ لهُ في الذِّكْرِ.
ولما رَوى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عباسٍ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - أنه قالَ لبنيه: يابني! اخرجوا من مَكَّةَ حاجّينَ مُشاةً؛ فإني سمعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول"إن للحاجِّ الراكبِ بكل خُطْوَةِ تَخْطوها راحلتُهُ سبعين حسنةَ، والماشي بكل خطوةٍ يَخْطوها سبعُ مئةِ حسنةٍ".