والمعنى: أن السقوف سقطت ثم سقطت عليها حيطانها على أظهر التفسيرات ، والقصر المشيد المطلي بالشيد بكسر الشين ، وهو الجص ، وقيل المشيد الرفيع الحصين. كقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] أي حصون رفيعة منيعة. والظاهر أن قوله: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} معطوف على قرية: أي وكأين من قرية أهلكناها ، وكم من بئر عطلناها بإهلاك أهلها ، وكم من قصر مشيد أخليناه من ساكنيه ، وأهلكناهم لما كفروا وكذبوا الرسل. وفي هذه الآية وأمثالها: تهديد لكفار قريش الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم ، وتحذير لهم من أن ينزل بهم ما نزل بتلك القرى من العذاب لما كذبت رسلها.
تنبيه
يظهر لطالب العلم في هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا} يدل على تهدم أبنية أهلها ، وسقوطها قولها: {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} يدل على بقاء أبنيتها قائمة مشيدة.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر لي في جواب هذا السؤال: أن قصور القرى التي أهلكها الله ، وقت نزول هذه الآية منها ما هو متهدم كما دل عليه قوله: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا} ومنها ما هو قائم باق على بنائه ، كما دل عليه قوله تعالى: {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} وإنما استظهرنا هذا الجمع ، لأن القرآن دل عليه ، وخير ما يفسر به القرآن القرآن ، وذلك في قوله جل وعلا في سورة هود: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود: 100] فصرح في هذه الآية بأن منها قائماً ، ومنها حصيداً.
وأظهر الأقوال وأجراها على ظاهر القرآن: أن القائم هو الذي لم يتهدم. والحصيد هو الذي تهدم وتفرقت أنقاضه. ونظيره من كلام العرب قوله:
والناس في قسم المنية بينهم... كالزرع منه قائم وحصيد