فهؤلاء الذين هاجروا فِي سبيل اللّه ، فرارا بدينهم ، ثم قتلوا استشهادا فِي سبيل اللّه ، أو ماتوا ميتة طبيعية - هم من الذين أحكم اللّه آياته فيهم ، فنجاهم من الافتتان فِي دينهم ، وجزاهم على صبرهم على هذا الابتلاء فِي أموالهم وأنفسهم ، أجرا عظيما ، حيث رزقهم أطيب رزق وأكرمه ، وهو الحق الذي معهم ، والإيمان الذي عمر قلوبهم ، ثم النّصر على عدوّهم ، والتمكين لهم فِي الأرض.
ثم الرزق الأعظم بهذا الفوز بجنّات النعيم فِي الآخرة .. « وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ » ومن عطائه الجزيل الجليل ، هذا النعيم الذي ينعم به المؤمنون فِي جنات الخلد ، لهم فيها ما تشتهى أنفسهم ولهم فيها ما يدّعون .. نزلا من غفور رحيم .. وهذا هو المدخل الذي يدخلهم اللّه فيه ، ويملأ قلوبهم به غبطة ورضا .. « وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ » بمن هم أحق برضاه ومغفرته وإحسانه من عباده ..
« حَلِيمٌ » لا يعجل مقوبته ، بل يمهل الظالمين ، حتّى يكون لهم نظر فِي أمرهم ، ورجعة إلى ربّهم .. فإن لم يفعلوا فالنار مثواهم: « وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » (26: الزمر) .
هذه الآية الكريمة: « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ .. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » . ، وما سبقها أو تلاها من آيات - هي التي نسحت جولها قصة « الغرانقة » التي آن أن نحدثك عنها وقد رأينا الآيات جميعها تعرض صورة من صور هذا الصّراع ، الذي عرض القرآن الكريم كثيرا من صوره ، بين النبيّ ، وبين المشركين والكافرين والمنافقين ومن فِي قلوبهم مرض .. وهي فِي صورتها تلك ليس فيها شيء على غير مألوف ما جاء من صور هذا الصراع بين أنبياء اللّه ورسله ، مع أقوامهم ..