(الأول) : أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد
يصح، وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان رضي الله
عنهما:
تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حِمَام المقادر
وقال آخر:
تمنى كتاب الله أول ليله ... تمنى داود الزبور على رسل
غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه، بل المعنى المفهوم من
قولك: (ألقيت في حديث فلان) إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه، ولا يكون قد
أراده أو نسبت إليه ما لم يقله تعللاً بأن ذلك الحديث يؤدي إليه، ونسبة الإلقاء إلى
الشيطان؛ لأنه مثير الشبهات بوساوسه، مفسد القلوب بدسائسه، وكل ما يصدر
من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول
ولا نبي إلا إذا حدَّث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أُنزل إليه فيه هدًى لهم قام في
وجهه مشاغبون يحوِّلون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويقولون عليه ما لم يقله،
وينشرون ذلك بين الناس؛ ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق
ويبطل الباطل، ولا يزال الأنبياء يصبرون على ما كُذِّبوا وأوذوا، ويجاهدون في
الحق، ولا يعتدَّون بتعجيز المعجزين، ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق
بالمجاهدة، وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبهة، ويجتثها من
أصولها، ويثبت آياته ويقررها، وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث
من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض - وهم ضعفاء العقول - بتلك الشبه
والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة
فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جدلهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتوا العلم،
ويخلص لهم بعد ورود كل شبهة عليه، فيعلموا أنه الحق من ربك، فيصدِّقوا به
فتخبت وتطمئن له قلوبهم.
والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر
بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم،
وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وسواء
أرجعت الضمير في (أنه الحق) ، إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدى الإلهي