و من غريب ما ينقل في تأثير الغناء: خرج مخارق المغني مع بعض أصحابه إلى بعض المتنزّهات فنظر إلى فوس مذهبة مع أحد من خرج معه فسأله إياها فكأن المسئول ضنّ بها وسنحت ظباء بالقرب منه فقال لصاحب القوس: أرأيت إن تغنيت صوتا فعطفت عليك خدود هذه الظباء أتدفع إليّ هذه القوس؟ قال نعم ، فاندفع يغني:
ماذا تقول الظباء أفرقة أم لقاء؟
أم عهدها بسليمى وفي البيان شفاء
مرت بنا سانحات وقد دنا الإمساء
فما أحارت جوابا وطال فيها الغناء
فعطفت الظباء راجعة إليه حتى وفقت بالقرب منه مستشرفة تنظر إليه مصغية إلى صوته فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها وناوله الرجل القوس فأخذها وقطع الغناء فعاودت الظباء نفارها ومضت راجعة على سننها.
قصة المليحة صاحبة الخمار الأسود:
وقصة المليحة صاحبة الخمار الأسود مشهورة وهي من خير ما يتمثّل به ويرويها الاصمعي فيقول:"قدم أعرابي بعدل من خمر العراق فباعها كلها إلا السّود فشكا ذلك إلى الدارمي (و هو مسكين الدارمي الشاعر) وكان قد تنسّك وترك الشعر ولزم المسجد فقال:"
ما تجعل لي؟ على أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلها على حكمك.
قال ما شئت. قال: فعمد الدارمي إلى ثياب نسكه فألقاها عنه وعاد إلى مثل شأنه الأول وقال شعرا ورفعه إلى صديق له من المغنين فغنّى به وكان الشعر:
قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بناسك متعبّد
قد كان شمر للصلاة ثيابه حتى خطرت له بباب المسجد
ردّي عليه صلاته وصيامه لا تقتليه بحق دين محمد
فشاع هذا الغناء في المدينة وقالوا: قد رجع الدارمي وتعشّق صاحبة الخمار الأسود فلم تبق مليحة في المدينة إلا اشترت خمارا أسود وباع التاجر جميع ما كان معه فجعل اخوان الدارمي من النساك يمرون فيقون: ما صنعت فيقول ستعلمون بعد حين فلما أنفد العراقي جميع ما كان معه رجع الدارمي إلى نسكه ولبس ثيابه.