وكلمة الفتح لا تؤدي نفعاً إلا إذا جاءت معرفة (الفتح) وقلنا: هناك فرق بين فتح لك وفتح عليك ، فتح لك أي: لصالحك ، أمّا فتح عليك أي: أعطاك الدنيا لتكون حِمْلاً فوق رأسك .
إذن: فإذا رأيت لهم هذا الفتح فلا تغترّ به ، واعلم انهم نَسُوا ما ذُكَّروا به . وقد ورد في الأثر أن الله تعالى إذا غضب من المرء رزقه من الحرام ، فإذا اشتد غضبه عليه بارك له فيه .
ذلك ليظل في سَعَة ورَغَد عيش وعُلو مكان ، حتى إذا أخذه الله آلمه الأخذ واشتد عليه ، فأخْذُ الكافر وهو في أَوْج قوته وجبروته يدل على قوة الأَخْذ وقدرته ، أما الضعيف فلا مزيّة في أَخْذه ، كالذي يريد أنْ يحطم الرقم القياسي مثلاً ، فإنه يعمد إلى أعلى الأرقام فيحطمها ليثبت جدارته .
ومن ذلك أيضاً نرى أن القرآن لما أراد التحدي ببلاغته وفصاحته تحدَّى العرب ، وهم أهل الفصاحة والبلاغة وفن الأداء البياني ، ولا معنى لأنْ يتحدى عَيّياً لا يقدر على الكلام .
ومعنى {نَضْطَرُّهُمْ . .} [لقمان: 24] نلجئهم أي: نُضيِّق عليهم الخناق ، بحيث لا يجدون إلا العذابَ الغليظ ، أو: أن فترة الحساب وما قبل العذاب أشدّ من العذاب نفسه ، كما جاء في الحديث من"أن الشمس تدنو من الرؤوس ، حتى ليتمنى الناسُ الانصرافَ ولو إلى النار".
ووصف العذاب هنا بأنه {غَلِيظٍ} [لقمان: 24] والغِلظ يعني السُّمْك ، فالمعنى أنه عذاب كبير يصعب قلقلة النفس منه ، فلو كان رقيقاً لربما أمكن الإفلات منه .
ثم يعود السياق إليهم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ...} .
هذا إفحام لهم ، حيث شهدوا بأنفسهم أن الله تعالى هو خالق السماوات والأرض ، وتعجب بعد ذلك لأنهم ينصرفون عن عبادة الخالق سبحانه إلى عبادة مَنْ لا يخلق ولا يرى ولا يسمع .