فهرس الكتاب
أحدها: أن الأدعية مؤثرة في استدرار فضله ونعمته ورحمته لا سيما في الجمع الكثير كالجمعات وعرفات والجماعات فإن الهمم إذا اجتمعت وانصرفت إلى طلب ما في الإمكان وجوده كالمطر ورفع الوباء وغيره فاض ما في الإمكان من المفيض الحق بوسائط الروحانيات المسخرين لتدبير العالم الأسفل المقتضي لتفقدهم وإنما أثرت الهمم لما بين الأرواح البشرية والروحانيات العلية من المناسبة الذاتية فإن هذه الأرواح مجانسة لتلك الجواهر وإنما يقطع مجانستها التدنُّس بكدورات الشهوات ولذلك تكون كلمة القلوب الزكية الطاهرة أسرع تأثيراً ويكون في حال التضرع والابتهال أنجح لأن حرقة التضرع تذيب كدورات الشهوات القلب في الحال وتضعفه وتكسر من ظلمته لذلك قلما يخطي دعاء الجمع ولا يخلو الجمع عن قلوب طاهرة ثم يزيدها التعاون تأثيراً.
قلت: ويؤيد ما أشار إليه حجة الإسلام في هذا الكلام من قوة تأثير الدعاء مع جمع أهل الإسلام ما روى في الصحيح عن سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام في حديث أصحاب النار الذين سقطت عليهم الصخرة ومنعتهم من الخروج فدعا حينئذٍ كل واحد منهم فكان تخليها عن فم الغار قليلاً قليلاً فدعاء الأول فرجها بحيث رأوا علامة القبول ودعاء الثاني كان أقرب إلى الخروج وبدعاء الثالث انفرجت عنهم بالكلية. فافهم.
ثم قال حجة الإسلام: وإنما كان في يوم الجمعة وقت يستجاب فيه الدعاء مبهم لأن الحال الذي تجتمع فيه على ذلك قلوب صافية في وقت واحد مبهم لا يدرى متى يتفق لكن الغالب أن اليوم لا يخلو عنه وهو وَقت النفحات التي يتعرض لها. وريما كان اجتماع الهمم يوم الجمعة عند الأسباب الجامعة كابتداء الخطبة وابتداء الصلاة أولى لكن الأولى أن لا يجري القول بتعيين وقته بل يبهم ولذلك تتوقع تلك النفحات في الأسحار لصفاء القلوب فإذا كانت الأدعية مؤثرة في الاستجلاب لمزيد الفضل وكان ما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الحوض وغير ذلك من المقامات المحمودة غير المحمودة على وجه لا تتصور الزيادة فيها فالاستمداده من الأدعية استزادة لتلك الكرامات.