فهرس الكتاب
فَنَقُولُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحُضُورَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَلَطِيفَةٌ أُخْرَى: وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تعالى قال هاهنا: (بِإِذْنِ رَبِّهِ) بِلَفْظِ الرَّبِّ وَقَالَ: (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا) وَلَمْ يَقُلْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّبَّ لَفْظٌ يُنْبِئُ عَنِ الرحمة، فعند ما كَانَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى حِفْظِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: (رَبِّهِ) وعند ما كَانَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى تَعْذِيبِهِمْ قَالَ: (عَنْ أَمْرِنا) بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ الْمُوجِبِ لِزِيَادَةِ الْخَوْفِ.
(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ(13)
قَدَّمَ الْمَحَارِيبَ عَلَى التَّمَاثِيلِ لِأَنَّ النُّقُوشَ تَكُونُ فِي الْأَبْنِيَةِ وَقَدَّمَ الْجِفَانَ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْقُدُورِ مَعَ أَنَّ الْقُدُورَ آلَةُ الطَّبْخِ وَالْجِفَانَ آلَةُ الْأَكْلِ وَالطَّبْخُ قَبْلَ الْأَكْلِ، فَنَقُولُ: لَمَّا بَيَّنَ الْأَبْنِيَةَ الْمَلَكِيَّةَ أَرَادَ بَيَانَ عَظَمَةِ السِّمَاطِ الَّذِي يُمَدُّ فِي تِلْكَ الدُّورِ، وَأَشَارَ إِلَى الْجِفَانِ لِأَنَّهَا تَكُونُ فِيهِ، وَأَمَّا الْقُدُورُ فَلَا تَكُونُ فِيهِ، وَلَا تُحْضَرُ هُنَاكَ، وَلِهَذَا قَالَ: (راسِياتٍ) أَيْ غَيْرِ مَنْقُولَاتٍ، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ حَالَ الْجِفَانِ الْعَظِيمَةِ، كَانَ يَقَعُ فِي النَّفْسِ أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي يَكُونُ فِيهَا فِي أَيِّ شَيْءٍ يُطْبَخُ، فَأَشَارَ إِلَى الْقُدُورِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْجِفَانِ.