وإنما قال: {فَكَذَّبُواْ} وهو مستغنى عنه بقوله {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} لأنه لما كان معنى قوله {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه جعل تكذيب الرسل مسبباً عنه وهو كقول القائل: (أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم) .
(أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ...(46)
ومعنى تفرقهم مثنى وفرادى أن الاجتماع مما يشوش الخواطر ويعمي البصائر ويمنع من الروية ويقلُّ الإنصاف فيه ويكثر الاعتساف ويثور عجاج التعصب ولا يسمع إلا نصرة المذهب.
(قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ...(50)
{وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِى إِلَيَّ رَبّى} أي فبتسديده بالوحي إلي.
وكان قياس التقابل أن يقال وإن اهتديت فإنما أهتدي لها كقوله: {فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الزمر: 41] .
ولكن هما متقابلان معنى، لأن النفس كل ما عليها وضار لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به. انتهى انتهى {تفسير النسفي} ...