ولما سلب تعالى عن شركائهم أن يملكوا شيئاً من الأكوان، وأثبت جميع الملك له وحده، وأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقررهم بما يلزم منه ذلك بقوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاوَاتِ} أي: بالمطر {وَالأَرْضِ} أي: بالنبات، وأفرد الأرض لأنهم لا يعلمون غيرها، ثم أمره تعالى أن يتولى الإجابة بقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ} أي: إن لم يقولوا رازقنا الله تعالى فقل أنت: إن رازقكم الله وذلك للإشعار بأنهم يقرون به بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأن الذي تمكن من صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته؛ ولأنهم إن تفوهوا بأن الله تعالى رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ترى إلى قوله تعالى {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} (يونس: 31)
{أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ} (يونس: 31)
حتى قال: {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} (يونس: 31)
ثم قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} (يونس: 32)
فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة، ومرة يتلعثمون عناداً وفراراً وحذراً من إلزام الحجة ونحوه قوله عز وجل {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} (الرعد: 16)