ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول . فيقول: سل هذا: لم قتلني ؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان ، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك ، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى:
{اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} الآية.
أي: تثاب بما علمت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه) .
{إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} ، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم.
روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرغ الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم.
فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد .
وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة ، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض ، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض ، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد ، ليس كمثله شيء . ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان . تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين ، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها . فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين.
ثم قال تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة} ، أي: وأنذر يا محمد مشركي الهعرب وحذرهم من يوم الآزفة ، يعني: يوم القيامة . وسميت آزفة لقربها . يقال أزف الشيء إذا قرب.
ثم قال: {إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كَاظِمِينَ} .
قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة .
فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها.
و {لَدَى} ، بمعنى: عند.
{كَاظِمِينَ} : مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم.
{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} ، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم.