ولذلك ترى مؤمن آل فرعون لم يهمل ذكر الإِيمان بعد أن اهتم بتقديم الأعمال فتراه يقول: {ومَنْ عَمِلَ صالحا مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ، فالإِيمان هو أُسٌّ هيكل النجاة ، ولذلك كان الكفر أُسَّ الشقاء الأبدي فإن كل عمل سيّء فإن سُوءه وفساده جُزئي مُنقَضضٍ فكان العقاب عليه غير أبدي ، وأما الكفر فهو سيئة دائمة مع صاحبها لأن مقرّها قلبه واعتقاده وهو ملازم له فلذلك كان عقابه أبدياً ، لأن الحكمة تقتضي المناسبة بين الأسباب وآثارها فدل قوله: {فَلاَ يُجْزَىَ إلاَّ مِثلها} أن جزاء الكفر شقاء أبدي لأن مِثْل الكفر في كونه ملازماً للكافر إِن مات كافراً.
وبهذا البيان أبطلنا قول المعتزلة والخوارج بمساواة مرتكب الكبائر للكافر في الخلود في العذاب ، بأنه قول يفضي إلى إزالة مزية الإِيمان ، وذلك تنافيه أدلة الشريعة البالغة مبلغ القطع ، ونظير هذا المعنى قوله تعالى: {فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا} [البلد: 13 17] .
وترتيبه دخول الجنة على عمل الصالحات معناه: من عمل صالحاً ولم يعمل سيئة بقرينة مقابلته بقوله: {مَنْ عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} ، فإنْ خلَط المؤمن عملاً صالحاً وسيئاً فالمقاصة ، وبيانه في تفاصيل الشريعة.
وقوله: {بِغَيْرِ حِسابٍ} كناية على سعة الرزق ووفرته كما تقدم عند قوله تعالى: {إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب} في سورة [آل عمران: 37] .
و {مَن في قوله: وَمَنْ عَمِلَ صالحا} الخ شرطية ، وجوابها {فأولئك يَدْخُلون الجنَّة} .
وجيء باسم الإشارة لِلتنبيه على أن المشار إليه يستحق ما سيذكر بعد اسم الإشارة من أجْل ما ذكر قبل اسم الإشارة من الأوصاف ، وهي عمل الصالحات مع الإِيمان زيادة على استفادة ذلك من تعليقه على الجملة الشرطية.
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة جواب الشرط لإِفادة الحصر.