وكي يكون الأمر في جَلْد الزانية والزاني للإباحة، وهو يقول عقبه:"وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" (النور:2) ، فَلِمَ كل هذا التحريض والإلهاب؟
إن هذا التأويل -لو صحَّ- لجاز أن يقول قائل في آيات أُخر، أو أمر آخر، القول نفسه، ويؤوِّلها التأويل نفسه، مثل قوله تعالى:"حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ" (البقرة:238) ،"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ" (البقرة: 267) ،"وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ" (البقرة:110، المزمل: 20) .
"وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ" (الصافات: ة 9) أي وأولئك لهم عذاب دائم، لتقصيرهم عن البحث في سر عظمة هذا الكون، والوصول بذلك إلى عظمة خالقه، وبديع قدرته.
ثم بين من وفقهم الله وأنعم عليهم ممن ظفروا بالمعرفة فقال:
"إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ" (الصافات:10) ، أي إلا من لاحت له بارقة من ذلك الجمال، وعنّت له سانحة منه، فتخطف بصيرته كالشهاب الثاقب، فحنّ إلى مثلها، وصبت نفسه إلى أختها، وهام بذلك الملكوت العظيم باحثاً عن سر عظمته، ومعرفة كنه جماله، وهم من اصطفاهم الله من عباده، وآتاهم الحكمة من لدنه، وأيدهم بروح من عنده، وهم أنبياؤه وأولياءه الذين أنعم عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين.