«فَإِنْ قِيلَ» : مَا مَعْنَى يَذْرَؤُكُمْ فِي هَذَا التَّدْبِيرِ، وَلِمَ لَمْ يَقُلْ يَذْرَؤُكُمْ بِهِ؟
قُلْنَا جُعِلَ هَذَا التَّدْبِيرُ كَالْمَنْبَعِ وَالْمَعْدِنِ لِهَذَا التَّكْثِيرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِلْحَيَوَانِ فِي خَلْقِ الْأَزْوَاجِ تَكْثِيرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [الْبَقَرَةِ: 179] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)
فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِشْكَالٌ، فَإِنَّهُ يُقَالُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا نَفْيُ الْمِثْلِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَظَاهِرُهَا يُوجِبُ إِثْبَاتَ الْمِثْلِ لِلَّهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمِثْلِ عَنْ مِثْلِهِ لَا عَنْهُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ إِثْبَاتَ الْمِثْلِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ بِأَنْ قَالُوا إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ مِثْلُكَ لَا يَبْخَلُ أَيْ أَنْتَ لَا تَبْخَلُ فَنَفَوُا الْبُخْلَ عَنْ مِثْلِهِ، وَهُمْ يُرِيدُونَ نَفْيَهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ الرَّجُلُ: هَذَا الْكَلَامُ لَا يُقَالُ لِمِثْلِي أَيْ لَا يُقَالُ لِي
قَالَ الشَّاعِرُ:
«وَمِثْلِي كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ»
وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فَإِنَّهُ إذا كان ذلك الحكم منتفيا عَمَّنْ كَانَ مُشَابِهًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشَابِهًا لَهُ، فَلِأَنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: سَلَامٌ عَلَى الْمَجْلِسِ الْعَالِي، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ سَلَامَ اللَّهِ إِذَا كَانَ وَاقِعًا عَلَى مَجْلِسِهِ وَمَوْضِعِهِ فَلِأَنْ يَكُونَ وَاقِعًا عَلَيْهِ كَانَ ذلك أولى، فكذا هاهنا قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وَالْمَعْنَى لَيْسَ كَهُوَ شَيْءٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا اللَّفْظُ سَاقِطًا عَدِيمَ الْأَثَرِ، بَلْ كَانَ مُفِيدًا لِلْمُبَالَغَةِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
* هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى نَفْيِ الْمِثْلِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى) [الرُّومِ: 27] يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْمَثَلِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا؟