الثالث: أَنْ يُعْطَفَ"اختلافِ"على المجرورِ ب"في"وآياتٍ على المنصوبِ ب"إنَّ". وهذا هو العطفُ على عاملَيْنِ ، وتحقيقُه على معمولَيْ عاملين: وذلك أنَّك عَطَفْتَ"اختلاف"على خَلْق وهو مجرورٌ ب"في"فهو معمولُ عاملٍ ، وعَطَفْتَ"آياتٍ"على اسمِ"إنَّ"وهو معمولُ عاملٍ آخرَ ، فقد عَطَفْتَ بحرفٍ واحدٍ وهو الواوُ معمولين وهما"اختلاف"و"آيات"على معمولَيْن قبلَهما وهما: خَلْق وآيات . وبظاهرِها استدلَّ مَنْ جَوَّز ذلك كالأخفشِ . وفي المسألة أربعةُ مذاهب: المَنْعُ مطلقاً ، وهو مذهبُ سيبويه وجمهورِ البصريين . قالوا: لأنه يُؤَدِّي إلى إقامة حرفِ العطفِ مقامَ عاملين وهو لا يجوزُ ؛ لأنه لو جاز في عامِلَيْن لجازَ في ثلاثةٍ ، ولا قائل به ، ولأنَّ حرفَ العطفِ ضعيفٌ فلا يَقْوَى أَنْ ينوبَ عن عاملَيْنِ ولأنَّ القائلَ بجوازِ ذلك يَسْتَضْعِفُه ، والأحسنُ عنده أن لا يجوزَ ، فلا ينبغي أَنْ يُحْمَلَ عليه كتابُ اللَّهِ ، ولأنه بمنزلةِ التعديتَيْنِ بمُعَدٍّ واحد ، وهو غيرُ جائزٍ .
قال ابن السراج:"العطفُ على عاملَيْن خطأٌ في القياسِ ، غيرُ مَسْموع من العرب"ثم حَمَل ما في هذه الآيةِ على التكرارِ للتأكيد . قال الرمَّاني:"هو كقولِك:"إنَّ في الدارِ زيداً والبيتِ زيداً"فهذا جائزٌ بإجماعٍ فتدبَّرْ هذا الوجهَ الذي ذكره ابنُ السراجِ فإنه حسنٌ جداً ، لا يجوزُ أَنْ يُحْمَلَ كتابُ اللَّهِ إلاَّ عليه . وقد بَيَّنْتُ القراءةَ بالكسرِ ولا عيبَ فيها في القرآن على وجهٍ ، والعطفُ على عاملَيْن عيبٌ عند مَنْ أجازه ومَنْ لم يُجِزْه ، فقد تناهى في العيب ، فلا يجوزُ حَمْلُ هذه الآيةِ إلاَّ على ما ذكره ابنُ السَّراج دون ما ذهبَ إليه غيرُه".