وهذا الوجهُ نحا إليه أبو البقاء ، وأظنُّه غَلَطاً لِما سَيَظْهَرُ لك فإنَّه قال:"ويُقْرأ بالنصب . وفيه وجهان ، أحدهما: هو حالٌ من الضميرِ في الكافِ أي: نجعلَهم مثلَ المؤمنين في هذه الحالِ . والثاني: أَنْ يكونَ مفعولاً ثانياً ل"حَسِب"والكافُ حالٌ ، وقد دَخَلَ استواءُ مَحْياهم وممَاتُهم في الحُسْبان ، وعلى هذا الوجهِ مَحْياهم ومماتُهم مرفوعان ب"سَواء"؛ لأنَّه قد قَوِيَ باعتمادِه"انتهى . فقد صَرَّح بأنه مفعولٌ ثانٍ للحُسْبان . وهذا لا يَصِحُّ البتةَ ؛ لأنَّ"حَسِبَ"وأخواتِها إذا وَقَعَ بعدها"أنَّ"المشددةُ أو"أَنْ"المخففةُ أو الناصبةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المفعولين ، وهنا قد وَقع بعد الحُسْبان"أنْ"الناصبةُ فهي سادَّةٌ مَسَدَّ المفعولَيْنِ ، فَمِنْ أين يكونُ"سواءً"مفعولاً ثانياً ل حَسِب؟
فإنْ قلتَ: هذا الذي قُلْتُه رأيُ الجمهورِ سيبويهِ وغيرِه ، وأمَّا غيرُهم كالأخفشِ فيدَّعي أنها تَسُدُّ مَسَدَّ واحدٍ . إذا تقرَّر هذا فقد يجوزُ أنَّ أبا البقاءِ ذَهَبَ هذا المذهبَ ، فأعرب"أَنْ نجعلَهم"مفعولاً أولَ و"سواءً"مفعولاً ثانياً . فالجواب: أنَّ الأخفشَ صَرَّحَ بأنَّ المفعولَ الثاني حينئذٍ يكونُ محذوفاً . ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّه لا يُحْذَفُ امتنع مِنْ وجهٍ آخرَ: وهو أنه قد رفع به"محياهُم ومماتُهم"لأنه بمعنى مُسْتَوٍ كما تقدَّم ، ولا ضميرَ يَرْجِعُ مِنْ مرفوعِه إلى المفعولِ الأولِ ، بل رَفَعَ أجنبياً من المفعولِ الأولِ . وهو نظيرُ:"حَسِبْتُ قيامَك مُسْتوياً ذهابُك وعَدَمُه".
ومَنْ قرأ بالرفع فتحتمل قراءتُه وجهَيْن ، أحدهما: أَنْ يكونَ"سواءٌ"خبراً مقدماً . و"مَحْياهم"مبتدأً مؤخراً/ ويكون"سواء"مبتدأً و"مَحْياهم"خبرَه .