ولا يخفى أن مستندهم في اشتراطهم لهذه الشروط ليس نصاً من كتاب ولا سنة يصرح بأن هذه الشروط كلها لا يصح دونها عمل بكتاب ولا سنة ، ولا إجماعاً دالاً على ذلك.
وإنما مستندهم في ذلك هو تحقيق المناط في ظنهم.
وإيضاح ذلك هو أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين كلها دال على ان العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لا يشترط له إلا شرط واحد ، وهو العلم بحكم ما يعمل به منهما.
ولا يشترط في العمل بالوحي شرط زائد على العلم بحكمه ألبتة.
وهذا مام لا يكاد ينازع فيه أحد.
ومراد متأخري الأصوليين بجميع الشروط التي اشترطوها هو تحقيق المناط.
لأن العلم بالوحي لما كان هو مناط العمل به أرادوا أن يحققوا هذا المناط ، أي يبينوا الطرق التي يتحقق بها حصلوا العلم الذي هو مناط العمل.
فاشترطوا جميع الشروط المذكورة ، ظناً منهم أنه لا يمكن تحقيق حصول العلم بالوحي دونها.
وهذا الظن فيه نظر.
لأن كل إنسان له فهم إذا أراد العمل بنص من كتاب أو سنة فلا يمتنع عليه ، ولا يستحيل أن يتعلم معناه ويبحث عنه هل هو منسوخ أو مخصص أو مقيد حتى يعلم ذلك فيعمل به.
وسؤال أهل العلم: هل لهذا النص ناسخ أو مخصص أو مقيد مثلاً. وغخبارهم بذلك ليس من نوع التقليد ، بل هو من نوع الاتباع.
وسنبين إن شاء الله الفرق بين التقليد والاتباع في مسألة التقليد الآتية.
والحاصل أن نصوص الكتاب والسنة التي لا تحصى واردة بإلزام جميع المكلفين بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وليس في شيء منها التخصيص بمن حصل شروط الاجتهاد المذكورة.
وسنذكر طرفاً منها لنبين أنه لا يجوز تخصيصها بتحصيل الشروط المذكورة.