الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ... (16) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ} عَنِ الْمَسِيرِ مَعَكَ، {سَتُدْعَوْنَ إِلَى} قِتَالِ {قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ} فِي الْقِتَالِ {شَدِيدٍ}
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ أَنَّ هَؤُلَاءَ الْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ أَهْلُ فَارِسَ.
قَالَ الْحَسَنُ: «دُعُوا إِلَى فَارِسَ وَالرُّومِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ هَوَازِنُ بِحُنَيْنٍ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «هِيَ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ يَوْمَ حُنَيْنٍ»
[وقال] «فَدُعُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ إِلَى هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أَحْسَنَ الْإِجَابَةَ وَرَغِبَ فِي الْجِهَادِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُمْ بَنُو حَنِيفَةَ.
عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «بَنُو حَنِيفَةَ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ تَأْتِ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدُ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} لَمْ تَأْتِ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمُ الرُّومُ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنَّهُمْ سَيُدْعَوْنَ إِلَى قِتَالِ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ فِي الْقِتَالِ، وَنَجْدَةٍ فِي الْحُرُوبِ، وَلَمْ يُوضَعْ لَنَا الدَّلِيلُ مِنْ خَبَرٍ وَلَا عَقْلٍ عَلَى أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِذَلِكَ هَوَازِنُ، وَلَا بَنُو حَنِيفَةَ وَلَا فَارِسُ وَلَا الرُّومُ، وَلَا أَعْيَانٌ بِأَعْيَانِهِمْ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِذَلِكَ بَعْضَ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِهِمْ غَيْرَهُمْ، وَلَا قَوْلَ فِيهِ أَصَحُّ مِنْ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّهُمْ سَيُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ.
وَقَوْلُهُ: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ تُقَاتِلُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تُدْعَوْنَ إِلَى قِتَالِهِمْ، أَوْ يُسْلِمُونَ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا قِتَالٍ