(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
قال الواقدي: ولما كانتِ الليلةُ التي نزل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ الظهران خرج أبو سفيان بن حرب وحكيمُ بن حزام وبُدَيْلُ بن ورقاء الخزاعي - وكان نازلًا بمكة - يتجسَّسون الأخبار، فقال العباس - رضي الله عنه: واسوءَ صباحاه، والله لئن بَغَت ابن أخي قريشًا في دارها ودخل مكّة عَنْوَةً إنه لَهلاكُ قريشٍ آخرَ الدهر، قال: فجلست على بغلةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيضاء وقلت: أَخْرُجُ إلى الأَراك لعلي أرى حطَّابًا أو صاحبَ لبن يدخل مكّة فيخبرهم بمكانِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأتونه فيأخذون منه أمانًا.
قال العباس: فوالله إنِّي لأطوف في الأَراك إذ سمعت صوتَ أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وأبو سفيان يقول: والله ما رأيت نيرانًا مثل هذه، فقال بُدَيْلٌ: هذه نيرانُ خُزاعةَ، وكانوا قد أوقدوا في تلك الليلة عشرة آلاف نار، فقال أبو سفيان: خزاعة أقلُّ من ذلك وأذلُّ، قال العباس: فناديته: أبا سفيان، فَعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، فقال: لبيك، فداك أبي وأمي ما وراءك؟ قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دَلَفَ إليكم في عشرةِ آلافٍ من المسلمين ولا قِبَلَ لكم به، وقلت: اركب على عَجُزِ هذه البغلة فأستأمنُ لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوالله لئن ظَفِرَ بك لَيَضْرِبَنَّ عُنقَكَ، قال: فَرَدِفَني فخرجت أَركضُ البَغْلةَ، فكلّما مررت بنارٍ قالوا: هذا عمُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته، حتَّى مررتُ بنارِ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فلما رأى أبا سفيان عرفه فقال: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدوَّ الله بغير عقد ولا عهد، ثم اشتد نَحو رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وركَضْتُ البغلةَ حتى اقتحمت باب القبة فسبقته، ثم جاء فقال: يا رسولَ الله، هذا عدوُّ الله ابنُ حرب قد أمكن الله منه فدعني أَضْرب عنقه، قال: فقلت: فإني قد أجرته فلا سبيل عليه، فأكثر عمر القول، فقلت: يا ابن الخطاب والله ما تَفْعَلُ هذا إلا لأنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان رجلًا من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، فقال: مهلاً يا عباس، فوالله إن إسلامَك يومَ أسلمتَ كان أحبَّ إلي من إسلام الخطَّابِ لو أسلم، لأنَّ إسلامَك سرَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"قد أجرنا من أجرتَ وأمنّا من أمنتَ فاذهب به حيثُ شئت، حتَّى تغْدوَ به عليَّ الغَداة"، قال: فذهبتُ به إلى منزلي ثم عدتُ به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له:"ويحَكَ يا أبا سُفيانَ، ألم يأْنِ لكَ أن تَعلَمَ أنِّي رسولُ الله"فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذه ففي النَّفس منها شيء، فقال له العباس: ويحك أسلم وإلا قتلك، فأَسْلَمَ.
وروي أنَّه قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلَّا الله؟"فقال: بلى بأبي أنت وأمي، قد كان يقع في نفسي أن لو كان مع الله إله لأغنى عنا شيئًا. ثم أسلم.