يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ أَنْكَرُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ وَصَدُّوا مَنْ أَرَادَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَفَتَنُوهُمْ عَنْهُ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا أَرَادُوا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ: يَقُولُ: ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كُفْرِهِمْ {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}
يَقُولُ: فَلَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَمَّا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يُعَاقِبُهُ عَلَيْهِ، وَيَفْضَحُهُ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَا تَضْعُفُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَنْ جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ وَتَجْبُنُوا عَنْ قِتَالِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: {وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ}
يَقُولُ: لَا تَضْعُفُوا عَنْهُمْ وَتَدْعُوهُمْ إِلَى الصُّلْحِ وَالْمُسَالَمَةِ، وَأَنْتُمُ الْقَاهِرُونَ لَهُمْ وَالْعَالُونَ عَلَيْهِمْ
{وَاللَّهُ مَعَكُمْ}
يَقُولُ: وَاللَّهُ مَعَكُمْ بِالنَّصْرِ لَكُمْ عَلَيْهِمْ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «لَا تَكُونُوا أُولَى الطَّائِفَتَيْنِ صُرِعَتْ لِصَاحِبَتِهَا، وَدَعَتْهَا إِلَى الْمُوَادَعَةِ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ وَاللَّهُ مَعَكُمْ»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} قَالَ: «هَذَا مَنْسُوخٌ» ، قَالَ: «نَسَخَهُ الْقِتَالُ وَالْجِهَادُ»
يَقُولُ: لَا تَضْعُفْ أَنْتَ وَتَدْعُوهُمْ أَنْتَ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتَ الْأَعْلَى، قَالَ: وَهَذَا حِينَ كَانَتِ الْعُهُودُ وَالْهُدْنَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الْقِتَالُ، يَقُولُ: لَا تَهُنْ فَتَضْعُفَ، فَيُرَى أَنَّكَ تَدْعُو إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتَ فَوْقَهُ، وَأَعَزُّ مِنْهُ {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} أَنْتُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ، ثُمَّ جَاءَ الْقِتَالُ بَعْدُ فَنَسَخَ هَذَا أَجْمَعَ، فَأَمَرَهُ بِجِهَادِهِمْ وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ.