{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} أي: أفعجزنا عن الإبداء حتى نعجز عن الإعادة ؟ ! فالهمزة للإنكار . قال الشهاب: العي هنا بمعنى العجز ، لا التعب . قال الكسائي: تقول: أعييت من التعب ، وعييت من انقطاع الحيلة ، والعجز عن الأمر . وهذا هو المعروف والأفصح ، وإن لم يفرق بينهما كثير .
{والخلق الأول} والخلق الأول هو الإبداء على ما ذكر ، ويحتمل أن يراد به خلق السماوات والأرض ؛ لأن خلق الْإِنْسَاْن متأخر عنه ، ويدل له آية: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} [الأحقاف: 33] الآية .
وقوله {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} عطف على مقدر ، يدل عليه ما قبله ، كأنه قيل: هم معترفون بالخلق الأول ، فلا وجه لإنكارهم للثاني ، بل هم اختلط عليهم الأمر والتبس ؛ لعدم فهمهم إعادة ما مات وتفرَّق أجزاؤه وإعراضهم عن سلطان القدرة الإلهية ، وسهولة ذلك في المقدورات الربانية .
لطيفة:
قال الناصر: في الآية أسئلة ثلاث: لِمَ عَرَّف الخلق الأول ، ونكَّر اللبس ، والخلق الجديد ؟
فاعلم: أن التعريف لا غرض منه إلا تفخيم ما قصد تعريفه وتعظيمه ، ومنه تعريف الذكور في قوله {وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ} [الشورى: 49] ، ولهذا المقصد عرَّف الخلق الأول ؛ لأن الغرض جعله دليلاً على إمكان الخلق الثاني بطريق الأولى ، أي: إذا لم يعيَ تعالى بالخلق الأول - على عظمته - فالخلق الآخر أولى أن لا يَعيىَ به . فهذا سر تعريف الخلق الأول .