وسواء كان نزولها في المنافقين أَو في بعض المؤمنين المتخاذلين المتكاسلين، فإنها استنهاض للهمم في جانب العبادة، وإيقاظ للفتور والتكاسل عن الطاعة، وتنبيه إلى استدامة المواظبة عليها والنهوض لها، والالتزام بها في كل الأوقات والأحوال، فلا يتكاسل عنها إلا منافق، ولا يفتر عن أَدائها إلا مذبذب ضعيف الإيمان، ضال عن سبيل الله، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} .
والمعنى: ألم يجئ الوقت، ويحن الحين للذين آمنوا أَن يتمكن الِإيمان في نفوسهم، ويخالط شغاف قلوبهم فتلين من جمودها وترق من قسوتها وغلظها، وتتحرر من جاهليتها وجهلها فتخشع لذكره - تعالى - وتخافه وتطمئن به، وتسارع إلى طاعته بالامتثال لأوامره، والانتهاء عما نهى عنه من غير توان ولا فتور، وتخشع لما نزل من القرآن الكريم، هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمراد بما نزل من الحق هو القرآن الكريم المشتمل على ذكر الله - أيضًا - ووجه عطفه على ذكر الله أنه جامع للأمرين الذكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء، ويصح أن يراد من الخشوع لذكر الله الوجل والخوف والانقياد التام وبما نزل من الحق زيادة الإيمان عند سماع القرآن الكريم - كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} .
ومعنى {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ} أَي: لا يكونوا مثل أَهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين أُوتوا الكتاب قبلهم، وكان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والِإنجيل خشعوا منه ورقت قلوبهم فطال عليهم الأجل وبعد العهد بينهم وبين أنبيائهم أَو طالت أعمارهم، ولم يعاجلهم الجزاء، فاغتروا وقست قلوبهم، وتحجرت وزال خشوعها وفشا فيهم الفساد فساءت أعمالهم، واستمرءوا المعصية، وغلب عليهم الشر فكثير منهم فاسقون خارجون على دينهم رافضون لما في كتبهم.
17 - {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} :