ولهذا قال - تعالى -: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ يعني السلاح كالسيف والحراب.
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ أي: في معايشهم كالفأس والقدوم .. وغير ذلك.
هذا، ومن المفسرين الذين فصلوا القول في منافع الحديد، وفي بيان لماذا خصه الله - تعالى - بالذكر: الإمام الفخر الرازي فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه: ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة، جعله الله سهل الوجدان، كثير الوجود. والذهب لما كانت حاجة الناس إليه قليلة، جعله الله - تعالى - عزيز الوجود.
وبهذا تتجلى رحمة الله على عباده، فإن كل شيء كانت حاجتهم إليه أكثر جعل الحصول عليه أيسر.
فالهواء - وهو أعظم ما يحتاج الإنسان إليه - جعل الله تعالى - الحصول عليه سهلا ميسورا .. فعلمنا من ذلك أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر، كان وجدانه أسهل.
ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله - تعالى - أشد من الحاجة إلى كل شيء، فنرجوه من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا، كما قال الشاعر:
سبحان من خص العزيز بعزة ... والناس مستغنون عن أجناسه
وأذل أنفاس الهواء وكل ذي ... نفس، فمحتاج إلى أنفاسه
وقوله: - سبحانه -: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ .. معطوف على محذوف يدل عليه السياق.
والمراد بقوله: وَلِيَعْلَمَ أي: وليظهر علمه - تعالى - للناس، حتى يشاهدوا آثاره.
أي: وأنزل - سبحانه - الحديد لكي يستعملوه في الوجوه التي شرعها الله وليظهر - سبحانه - أثر علمه حتى يشاهد الناس، من الذي سيتبع الحق منهم، فينصر دين الله - تعالى - وينصر رسله، ويستعمل نعمه فيما خلقت له حالة كونه لا يرى الله - تعالى -
بعينيه، وإنما يتبع أمره، ويؤمن بوحدانيته ووجوده وعلمه وقدرته .. عن طريق ما أوحاه - سبحانه - إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
فقوله: بِالْغَيْبِ حال من فاعل يَنْصُرُهُ.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ أي: أن الله - تعالى - هو المتصف بالقوة التي ليس بعدها قوة وبالعزة التي لا تقاربها عزة.
وختمت الآية بهذا الختام، لأنه هو المناسب لإرسال الرسل، ولإنزال الكتب والحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس.