فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 203

{رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(38)}

وتقديم (ما نُخْفِي) على (ما نُعْلِنُ) لتحقيق المساواة بينهما في تعلق العلم على أبلغ وجه فكان تعلقه بما يخفى أقدم منه بما يعلن، أو لأن مرتبة السر والخفاء متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو قبل ذلك خفي فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى أقدم من تعلقه بحالته الثانية، وجعل بعضهم (ما) مصدرية والتقديم والتأخير لتحقيق المساواة أيضا، ومن هنا قيل: أي تعلم سرنا كما تعلم علننا.

والمقصود من فحوى كلامه عليه السلام أن إظهار هذه الحاجات وما هو مباديها وتتماتها ليس لكونها غير معلومة لك، بل إنما هو لإظهار العبودية والتخشع لعظمتك والتذلل لعزتك وعرض الافتقار لما عندك والاستعجال لنيل أياديك، وقيل: أراد عليه السلام أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا وأرحم بنا من أنفسنا فلا حاجة لنا إلى الطلب لكن ندعوك لإظهار العبودية إلى آخره، وقد أشار السهروردي إلى أن ظهور الحال يغني عن السؤال بقوله:

ويمنعني الشكوى إلى الناس أنني ... عليل ومن أشكو إليه عليل

ويمنعني الشكوى إلى الله أنه ... عليم بما أشكوه قبل أقول

وتكرير النداء للمبالغة في الضراعة والابتهال، وضمير الجماعة - كما قال بعض المحققين - لأن المراد ليس مجرد علمه تعالى بما يخفى وما يعلن بل بجميع خفايا الملك والملكوت وقد حققه عليه السلام بقوله على وجه الاعتراض: (وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) لما أن علمه تعالى ذاتي فلا يتفاوت بالنسبة إليه معلوم دون معلوم.

وتقديم الأرض على السماء مع توسيط (لا) بينهما باعتبار القرب والبعد من المستعدين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت