«وهاهنا أبحاث» الأول في سر تقديم الضمير على الفعلين وذكروا له وجوها الدلالة على الحصر والاختصاص كما يشعر به عدول البليغ عما هو الأصل من غير ضرورة، ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه لا نعبد غيرك وهو حقيقي لا يستدعي رد خطأ المخاطب والمقصود منه التبرئة عن الشرك وتعريض بالمشركين وتقديم ما هو مقدم في الوجود فإنه تعالى مقدم على العابد والعبادة ذاتا فقدم وضعا ليوافق الوضع الطبع. وتنبيه العابد من أول الأمر على أن المعبود هو الله تعالى الحق فلا يتكاسل في التعظيم ولا يلتفت يمينا وشمالا والاهتمام فإن ذكره تعالى أهم للمؤمنين في كل حال لا سيما حال العبادة لأنها محل وساوس الشيطان من الغفلة والكسل والبطالة والتصريح من أول وهلة بأن العبادة له سبحانه فهو أبلغ في التوحيد وأبعد عن احتمال الشرك فإنه لو أخر فقبل أن يذكر المفعول يحتمل أن تكون العبادة لغيره تعالى.
والإشارة إلى حال العارف وأنه ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولا وبالذات وإلى العبادة من حيث إنها وصلة إليه وراحلة تغذ به عليه فيبقى مستغرقا في مشاهدة أنوار جلاله مستقرا في فردوس أنوار جماله وكم من فرق بين قوله تعالى للمحمديين (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: 152] وبين قوله للإسرائيلين: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 47] وبين ما حكي عن الحبيب من قوله: (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا) [التوبة: 40] وبين ما حكاه عن الكليم من قوله: (إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء: 62] .