وفي تقديم البسطة في العلم على البسطة في الجسم إيماء إلى أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف من الفضائل الجسمانية، بل يكاد لا يكون بينهما نسبة لا سيما ضخامة الجسم، ولهذا حمل بعضهم البسطة فيه هنا على الجمال أو القوة لا على المقدار كطول القامة كما قيل: إن الرجل القائم كان يمد يده حتى ينال رأسه فإن ذلك لو كان كمالا لكان أحق الخلق به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع أنه عليه الصلاة والسلام كان ربعة من الرجال، ولعل ذكر ذلك التقدير لأنه صفة تزيد الملك المطلوب لقتال العمالقة حسنا لأنهم كانوا ضخاما ذوي بسطة في الأجسام، وكان ظل ملكهم جالوت ميلا على ما في بعض الأخبار، لا أنها من الأمور التي هي عمدة في الملوك من حيث هم كما لا يخفى على من تحقق - أن المرء بأصغريه لا بكبر جسمه وطول برديه.
وفي اختيار (واسِعٌ) و (عَلِيمٌ) في الإخبار عنه تعالى هنا من حسن المناسبة لبسطة الجسم وكثرة العلم ما تهتش له الخواطر لا سيما على ما يتبادر من بسطة الجسم، وقدم الوصف الأول مع أن ما يناسبه ظاهرا مؤخر، لأن له مناسبة معنى لأول الإخبار، إذ الاصطفاء من سعة الفضل أيضا، ولأن (عليم) أوفق بالفواصل، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة.