والمتبادر منهم ما يشمل سائر المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين، واليهود، والمشركين، وروي عن السدي الاقتصار على الأول، وعن ابن عباس الاقتصار على الثاني، وعن الحسن الاقتصار على الثالث، ولعل المراد بيان طائفة نزلت هذه الآية في حقهم لا حمل الآية عليها لأن الجمع فيها محلى باللام، وهو يفيد العموم فيدخل فيه الكل، والتخصيص بالبعض لا يدعو إليه داع، وتقديم الإخبار بالقول على الوقوع لتوطين النفس به فإن مفاجأة المكروه أشد إيلاما، والعلم به قبل الوقوع أبعد من الاضطراب، ولما أن فيها إعداد الجواب، والجواب المعد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وفي المثل - قبل الرمي يراش السهم - وليكون الوقوع بعد الإخبار معجزة له صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: إن الوجه في التقديم هو التعليم والتنبيه على أن هذا القول أثر السفاهة فلا يبالي به ولا يتألم منه ويرد عليه - أن التعليم - والتنبيه المذكورين يحصلان بمجرد ذكر هذا السؤال، والجواب ولو بعد الوقوع.
وقال القفال: إن الآية نزلت بعد تحويل القبلة، وإن لفظ (سَيَقُولُ) مراد منه الماضي، وهذا كما يقول الرجل إذا عمل عملا فطعن فيه بعض أعدائه: أنا أعلم أنهم سيطعنون في - كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فيذكرونه مرات أخرى - ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: لما قدم رسول صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحب أن يتوجه نحو الكعبة فأنزل الله تعالى: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ) إلى آخر الآية فقال: السُّفَهاءُ وهم اليهود (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ) إلى آخر الآية وفي رواية أبي إسحاق وعبيد بن حميد، وأبي حاتم عنه زيادة فأنزل الله تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) إلخ.