والمراد من ذكر هذه الأحوال الإشارة إلى الدوام وانفهامه منها عرفا مما لا شبهة فيه، وليس المراد الدوام الحقيقي لاستحالته بل في غالب أحوالهم، وبعضهم يأخذ الدوام من المضارع الدال على الاستمرار وكيفما كان فالمراد يذكرون الله تعالى كثيرا.
(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) عطف على يَذْكُرُونَ وعطفه على الأحوال السابقة غير ظاهر، وتقديم الذكر في تلك الحالات على التفكر لما أن فيهما الاعتراف بالعبودية، والعبد مركب من النفس الباطنة والبدن الظاهر، وفي الأول إشارة إلى عبودية الثاني، وفي الثاني إشارة إلى عبودية الأول لأن التفكر إنما يكون بالقلب والروح، وفي بيان العبودية بعد الفراغ من آيات الربوبية ما لا يخفى من اللطف، وقيل: قدم الأول لأنه إشارة إلى النظر في الأنفس وأخر الثاني لأنه إشارة إلى النظر في الآفاق، ولا شبهة في تقدم الأول على الثاني، وصرح مولانا شيخ الإسلام بأن هذا بيان للتفكر في أفعاله تعالى، وما تقدم بيان للتفكر في ذاته تعالى على الإطلاق، والذي عليه أئمة التفسير أنه سبحانه إنما خصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته جل شأنه وعز سلطانه، وقد ورد هذا النهي في غير ما حديث.
فقد أخرج أبو الشيخ والأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال: «خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتفكرون فقال: لا تفكروا في الله تعالى ولكن تفكروا فيما خلق»
وعن عمرو بن مرة قال: «مر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على قوم يتفكرون فقال: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق»
وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «تفكروا في آلاء الله تعالى ولا تفكروا في الله تعالى» ،
وعن ابن عباس تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله تعالى - إلى غير ذلك - ففي كون الأول بيانا للتفكر في ذاته سبحانه على الإطلاق نظر على أن بعض الفضلاء ذكر في تفسيره أن التفكر في الله سبحانه محال لما أنه يستدعي الإحاطة بمن هو بكل شيء محيط فتدبر.
وقيل: قدم الذكر على الدوام على التفكير للتنبيه على أن العقل لا يفي بالهداية ما لم يتنور بنور ذكر الله تعالى وهدايته فلا بد للمتفكر من الرجوع إلى الله تعالى ورعاية ما شرع له، وأن العقل المخالف للشرع لبس الضلال ولا نتيجة لفكره إلا الضلال.