فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 203

«البحث السادس» (في سر إطلاق الاستعانة) فقيل ليتناول كل مستعان فيه فالحذف هنا مثله في قولهم: فلانٌ يعطي في الدلالة على العموم ورجح بلزوم الترجيح بلا مرجح في الحمل على البعض وأيضا قرينة التقييد خفية وبأنه المروي عن ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وبأن عموم المفعول متضمن لنفي الحول والقوة عن نفسه والانقطاع بالكلية إليه تعالى عمن سواه فهو أولى بمقام العبادة وإلى ترجيحه يشير صنيع العلامة البيضاوي.

وقال صاحب الكشاف: الأحسن أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة ويكون قوله تعالى: (اهْدِنَا) بيانا للمطلوب من المعونة كأنه قيل كيف أعينكم فقالوا اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض انتهى.

ووجه التخصيص حينئذ كمال احتياج العبادة إلى طلب الإعانة لكونها على خلاف مقتضى النفس إن النفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي والقرينة مقارنة العبادة، ولا خفاء في وضوحها، وكون عموم المفعول متضمنا لما ذكر معارض بنكتة التخصيص والرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لعلها لم تثبت كذا قيل: والإنصاف عندي أن الحمل على العموم أولى ليتوافق ألفاظ هذه السورة الكريمة في المعنى المطلوب منها ولأن التوسل بالعبادة إلى تحصيل مرام يستوعب جميع ما يصح أن يستعان فيه ليدخل فيه التوفيق دخولا أوليا أولى من مجرد التوفيق ويلائمه الصراط المستقيم فإنه أعم من العبادات والاعتقادات والأخلاق والسياسات والمعاملات والمناكحات وغير ذلك من الأمور الدينية والنجاة من شدائد القبر والبرزخ والحشر والصراط والميزان ومن عذاب النار والوصول إلى دار القرار والفوز بالدرجات العُلى وكلها مفتقر إلى إعانة الله تعالى وفضله.

وأيضا طرق الضلالات التي يستعاذ منها بغير المغضوب عليهم ولا الضالين لا نهاية لها وباستعانته يتخلص من مهالكها.

وأيضا لا يخفى أن المراد بالعبادة في (إياك نعبد) هي وما يتعلق بها وما تتوقف عليه فإذا توافق الاستعانة في العموم.

وأيضا قوله (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) مطلق شامل كل إنعام، وأيضا لو كان المراد الاستعانة به وبتوفيقه، على أداء العبادة يبقى حكم الاستعانة في غيرها غير معلوم في أم الكتاب ولا أظن أحدا يقول إنه يعلم من هذا التخصيص فلا أختار أنا إلا العموم

وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال لابن عباس: «إذا استعنت فاستعن بالله» الحديث

وهو ظاهر فيه، ولعل ابن عباس من هنا قال به في الآية إذا قلنا بثبوت ذلك عنه وهو الظن الغالب فمن استعان بغيره في المهمات بل وفي غيرها فقد استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم، أفلا يستعان به وهو الغني الكبير أم كيف يطلب من غيره والكل إليه فقير؟

وإني لأرى أن طلب المحتاج من المحتاج سفه من رأيه، وضلة من عقله، فكم قد رأينا من أناس طلبوا العزة من غيره فذلوا وراموا الثروة من سواه فافتقروا وحاولوا الارتفاع فاتضعوا، فلا مستعان إلا به ولا عون إلا منه.

إليك وإلا لا تشد الركائب ... ومنك وإلا فالمؤمل خائب

وفيك وإلا فالغرام مضيع ... وعنك وإلا فالمحدث كاذب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت