فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 465

قال التبريزي: وهذا الوجه أشبه بمذهب العرب مما تقدم، لأنهم يكنون عن النخلة بالمرأة. وقوله: وزعمتم أن لا حلوم لنا: فأكثر ما يستعمل الزعم فيما كان باطلاً أو فيه ارتياب، والحلوم: العقول، وقرع العصا: كناية عن التنبيه.

واختلف في أول من قرعت له العصا، فقيل عمرو بن الظرب العدواني وقيل عمرو بن حممة الدوسي، وخبرهما: أن كل واحد منهما كان حكماً للعرب يتحاكمون إليه في كل معضلة، قالوا: إن العرب أتوا عمرو بن حممة يتحاكمون إليه، فغلط في حكومته - وكان قد أسنَّ - فقالت له ابنته: إنك قد صرت تَهِمُ في حكومتك - أي تغلط - فقال: إذا رأيتِ ذلك منّي فاقرعي العصا، فكان إذا قرعت له العَصا فطن. يقول: زعمتم أنه لا عقول لنا وأننا سفهاء، فإن كان الأمر على ما زعمتم فنبهونا أنتم، وهذا تهكم من الشاعر بهم، وقوله: ووطئتنا. . البيت، فالحنق: الغيظ، والهرم: شجر، أو البقلة الحمقاء - هي التي تسمى الرجلة -، أو ضرب من الحِمْض فيه ملوحة وهو أذلّه وأشدُّه انبساطاً على الأرض واستبطاحاً. . . وفي المثل: أذل من الهرمة، يقول: وأثرت فينا تأثير الحنق الغضبان كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ هذا النبت الضعيف، وخص المقيد لأن وطأته أثقل، لأنه لا يتمكن من وضع قوائمه على حسب إرادته. كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل. ومن قول العرب: أعوذ بالله من وطأة الدليل، أي من أن يطأني، لأن وطأته أشد لسوء ملكته، كما قال امرؤ القيس:

فإنّك لم يَفْخَرْ عليكَ كفاخرٍ ... ضعيفٍ ولم يَغْلِبْكَ مثلُ مُغَلَّبِ

وخص النابت وأراد: الحديث النبات، وهو أغض له وأرق، ويروى: يابس الهرم، وقوله وتركتنا لحماً على وضم: فالوضم: الخشبة التي يضع الجزار اللحم عليها يوقى بها اللحم من الأرض، أو تقول: خوان الجزار، وقد تقدم يقول. تركتنا لا دفاع بنا كاللحم على الوضم يتناوله من شاء، ثم قال: لو كنت تستبقي من اللحم، أي لو كنت تترك بقية، قال التبريزي: جعل ذلك مثلاً

لاستفساده لهم وسماحته بهم.

والعرب تقول في العطف على القريب والحمية له وإن لم يكن وادّاً: أنفكَ منكَ وإنْ ذَنَّ وعيصك منك وإن كان أشِباً وقال قائلهم - وهو حريث بن جابر:

إذا ظُلِمَ المولَى فَزَعتُ لِظُلْمِه ... فحرَّك أحشائِي وهَرَّتْ كِلابِيا

وقيل لأعرابيٍّ: ما تقول في ابن العم؟ فقال عدوّك وعدوّ عدوّك، ولما مات عبادة بن الصامت بكى عليه أخوه أوس بن الصامت، فقيل له: أتبكي عليه وقد كان يريد قتلك؟ فقال: حركني للبكاء عليه ارتكاضنا في بطنٍ، وارتضاعنا من ثديٍ. . .

ودخل رجل من أشراف العرب على بعض الملوك، فسأله عن أخيه، فأوقع به يعيبه ويشتمه، وفي المجلس رجل يشنؤه - يبغضه - فشرع معه في القول، فقال له: مهلاً! إني لآكلُ لحمي ولا أدعه لآكلٍ. . .

وقال الشاعر - قيل هو زرارة بن سبيع، وقيل نضلة بن خالد، وقيل دودان بن سعد، وكلهم من بني أسد، شعراء جاهليون، والأبيات من الحماسة:

لَعَمْرِي لَرَهْطُ المرءِ خيرُ بَقيَّةٍ ... عليهِ وإنْ عالَوْا به كُلَّ مَرْكَبِ

مِنَ الجانبِ الأقْصى وإن كان ذا غِنىً ... جزيلٍ ولم يُخْبِرْكَ مِثْلُ مُجَرِّبِ

إذا كُنتَ في قومٍ عِدًى لستَ مِنْهُمُ ... فكلْ ما عُلِفْتَ مِنْ خَبيثٍ وطَيِّبِ

عالوا به يريد: علوا به، كل مركب: صعب أو ذلول، يريد: وإن حمّلوه ما لا يستطيع، ومن الجانب الأقصى، يريد: من الحيِّ الأبعد، وقوله: ولم تك منهم، يروى:

إذا كنت في قوم عِديً لستَ منهم

وعِدًى بالكسر: غرباء، فأما قوم عدى فقد ورد فيها الضم والكسر وقوله: فكل ما علفت: فهذا مثل، يريد به: المسالمة والمداراة، ويروى للشاعر بعد هذا البيت:

فإنْ حَدَّثتك النفسُ أنّك قادِرٌ ... على ما حَوَتْ أَيْدِي الرجالِ فكَذِّبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت