وقديماً أكثروا من شكوى الأقارب: من جهة أنهم بحكم تجاورهم وقرابتهم أدنى إلى الحسد والعداوة، فقالوا: الأقارب عقارب وأمتُّهم بك رَحِماً أشدُّهم بك لَدْغا، وقال بعض حكماء العجم: ثلاث لا يستصلح فسادهم بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في الملوك. . . ولذلك شكوا من أن عداوة الأقارب أشد على النفس من عداوة الأباعد فقالوا: - والقائل طرفة بن العبد:
وَظُلمُ ذَوِي القربى أشَدُّ مَضاضةً ... على المرءِ مِنْ وَقْعِ الحُسامِ المُهنَّدِ
وقال الشريف الرّضيّ:
ولِلذُّلِّ بين الأقربينَ مَضاضةٌ ... والذُّلُّ ما بينَ الأباعدِ أرْوَحُ
وإذا أتَتْكَ مِن الرجالِ قَوَارِصٌ ... فسِهامُ ذِي القُربى القريبةِ أجْرَحُ
فمنهم من يحلم ويبقى على مقتضيات القرابة، ويتجافى عن ذنوب
أقربائه على الرغم من عدائهم، فيقولون - والقائل محمد بن عبد الله الأزدي - صحابي جليل - وهذه الأبيات في الحماسة:
ولا أدْفَعُ ابنَ العَمِّ يَمْشي على شَفاً ... وإن بَلَغَتْني مِن أذَاهُ الجنَادِعُ
ولكن أُواسِيهِ وأنسَى ذُنُوبَه ... لِتَرْجِعَهُ يوماً إليَّ الرَّواجِعُ
وحَسْبُك مِن ذُلٍّ وسوءِ صنيعةٍ ... مناواةُ ذي القُربى وإن قيل قاطِعُ
الشفا: حرف الشيء وحدُّه، مثل الشفير، وقد أشفى على الهلاك: أشرف والجنادع في الأصل - كما قال أبو حنيفة الدينوري: الجنادب الصغيرة، وجنادب الضب: دواب أصغر من القردان تكون عند جُحره، فإذا بدت هي عُلِم أن الضبَّ خارجٌ فيقال حينئذ: بدت جنادِعُه، ثم قيل لأوائل الشر: بدت جنادِعُه، يقول الشاعر: لا أدفعه يمشي على حد الهلاك وإن بالغ في الإساءة، والمناواة: المعاداة، وأصله الهمز يقال: ناوأه مناوأة: أي عاداه، وقوله: وإن قيل قاطع: يريد: وإن قيل في ذي القربى إنه قاطع لرحمه فلا يحملنك ذلك على مناوأته، وقال الفضل بن العباس ابن عتبة بن أبي لهب:
مَهْلاً بَنْي عمِّنا مهْلاً موَالينا ... لا تنْبِشُوا بَيْنَنَا ما كان مَدْفونا
لا تَطْمَعُوا أَنْ تُهِينُونا ونُكْرِمَكُمْ ... وَأَنْ نَكُفَّ الأذى عنكم وتُؤْذُونا
مهْلاً بني عمِّنا مِنْ نَحْتِ أَثْلَتِنا ... سِيرُوا رُوَيْداً كما كُنْتُمْ تسيرونا
اللهُ يعْلَمُ أَنَّا لا نُحِبُّكُمُ ... ولا نَلومُكُمُ إنْ لم تُحبّونا
كلٌّ له نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحبِه ... بنعمةِ اللهِ نَقْليكمْ وتَقْلونا
مهلاً: يريد: رفقاً وسكوناً لا تعجلوا، ويريد ببني عمه: بني أمية، وقد كان في صدورهم أحقاد، وقوله لا تنبشوا: يريد لا تستخرجوا ما كان بيننا
من العداوة مدفوناً في الصدور، وقوله: من نحت أثلتنا، فالأثلة: واحد الأثل وهو من العضاه شجر طوال مستقيم الخشب ومنه تصنع الأقداح والجفان ونحتها: قشرها أو نشرها، يريد: مهلاً بني عمنا في إظهار المثالب والمعايب التي تلصقونها بنا، وقوله: كل له نية الخ يريد: إنا وإياكم لعلى طرفي نقيض نحن نبغضكم لاغتصابكم الملك واستيلائكم على أموال المسلمين وأنتم تبغضوننا على قرابتنا من النبي صلوات الله عليه، وقلاه يقليه قلى: أبغضه، وقد حذف نون الرفع من تقلونا ضرورة.
وقال ذو الأصبع العدواني:
لولا أواصرُ قُرْبى لَسْتَ تَحْفَظُهَا ... ورَهْبَةُ اللهِ في موْلىً يُعَاديني
إذَنْ بَرَيْتُكَ بَرْياً لا انْجِبَارَ لهُ ... إنِّي رَأَيْتُكَ لا تَنْفَكُّ تَبْرِيني
ومنهم من اضطُرّ إلى الانتقام من أقاربه: أو ممّن تربطه بهم آصرةٌ ما ثم تأسّف، فقال قيس بن زهير في ذلك:
شَفَيْتُ النَّفْسَ من حَمَلِ بن بَدرٍ ... وسَيْفي مِنْ حُذَيْفَةَ قَدْ شفَانِي
قتَلتُ بإخْوَتي ساداتِ قَوْمي ... وقد كانوا لنا حَلْيَ الزَّمانِ