فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 465

(قلّة لبث الإنسان في الدنيا)

قال المصطفى صلواتُ الله عليه: (فيمَ أنا من الدُّنيا؟ وما لي ولَها! وإنَّما مَثلي ومَثلُها كراكبٍ سارَ في يومٍ صائفٍ، فرُفِعت له شجرةٌ فقالَ تحتها ساعةً من نَهارٍ، ثمَّ راحَ وتركَها) قالَ: من القيلولة وهي الاستراحة نصفَ النهار وإن لم يكن معها نومٌ، يقال: قالَ يَقيلُ قيلولةً فهو قائِل.

وقال عليُّ بن أبي طالب: الدُّنيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مقرٍّ والناسُ فيها رجلانِ رجلٌ باعَ نفسَه فأوبقَها ورجلٌ ابتاعَ نفسَه فأعتقَها أوبقَها: أهلكَها بسبب تهافتِه على الدنيا وإعراضِه عن الآخرة، وابتاع: اشترى، وأعتقَها أي من النار، بتجنُّبِه المعاصي وشهواتِ الدنيا وقيل لنوحٍ عليه السلامُ - وهو الذي عاشَ ألفَ سنة إلا خمسين عاماً: كيف وجدتَ الدُّنيا؟ قال:

كدارٍ لها بابان دخلت من أحدِهما وخرجْتُ من الآخر.

(قلّة متاع الدنيا)

قال الله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى}

قليل: سريعُ التقضّي وقال سبحانه: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} .

قوله سبحانه: إنّما مثل الحياة الدنيا، أي في سرعة تقضِّيها وذهابِ نَعيمِها بعد إقبالِها واغترارِ الناسِ بها، وزخرفها: حسنُها وبهجتُها، وقادرون عليها: أي متمكّنون من حَصْدِها، وأتاها أمرنا، أي نزل بزرعِها ما يجتاحُه فجعلَها اللهُ كأنها حُصدت من أصلها فصار زرعُها كأنه لم يكن وقال أبو جعفر المنصور حين حضرتْه الوفاة: بِعْنا الآخرةَ بنَوْمةٍ. . .

وقال شاعر:

أراها وإنْ كانت تُحَبُّ فإنَّها ... سَحابَةُ صَيْفٍ عن قَليلٍ تَقَشَّعُ

وقال أعرابي: ما كانت الدنيا على بني فلان إلا طيفاً لما انتبهوا ولّى عنهم، وقال آخر:

مَرَرْتُ بِدُورِ بَني مُصْعَبِ ... بِدُورِ السُّرورِ ودُورِ الفَرَحْ

فَشَبّهتُ سُرعةَ أيّامِهِمْ ... بسُرْعَةِ قَوسٍ يُسَمَّى قُزَحْ

تَلَوّنَ مُعْتَرِضاً في السّماء ... فلمّا تَمَكَّنَ مِنْهَا نَزَحْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت