فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 465

(الماضي والحاضر والمستقبل)

قال الحسن البصري: أمْس أجل، واليوم عمل، وغداً أمل. . .

وقال حكيم: بيني وبين الملوك يومٌ واحد؛ أما أمس فلا يجدون لذَّتَه ولا أجد شدَّتَه وأما غدٌ فإنّي وإيّاهم منه على خطر، وما هو إلا اليوم، فما عسى أن يكون!

تحذيرهم من تضييع الأيام

قال حكيم: الليل والنهار يعملان فيك فاعْمَل فيهما.

وقال الحسن البصري: ما وعظني شيءٌ مثل ما وعظني كلامُ الحجّاج في خطبته: إن امرأً أتت عليه ساعةٌ من عمره لم يذكر فيها ربَّه أو يستغفر من ذنبِه أو يفكّر في معاده، لجديرٌ أن تطولَ حسرتُه يوم القيامة. . . وكان الحجاج بليغاً ومن مَصاقَعِ الخطباء، ومن كلماته التي تُشبه كلمات الحسن البصري، وهي ممّا قاله على ذؤابة المنبر: أيّها الناس؛ اقْدَعوا هذه الأنفسَ، فإنّها أسأل شيءٍ إذا أعطِيت، وأمنعُ شيءٍ إذا سُئلت، فرحم اللهُ امرأً جعل لنفسِه خِطاماً وزِماماً، فقادها بخِطامها في الله، وعَطفها بزِمامها عن معصيةِ الله، فإنّي رأيت الصبرَ عن محارمِ الله أيسرَ من الصبرِ على عذابِه. . . اقْدَعوا: أي امنعوا، والخِطام: حبلٌ من ليف أو شعر أو كتان يُثنى طرفُه على مِخْطم البعير ليقادَ به، والزِّمام: حبلٌ دقيقٌ يُجعل في أنفه.

(الأيام تهدم الحياة)

قال حكيم: من كان الليلُ والنهارُ مطيَّته، سارا به وإن لَمْ يَسِرْ، أخذه الشاعر فقال:

رأيْتُ أخَا الدُّنيا وإنْ كان خافِضاً ... أخا سَفَرٍ يُسْرَى به وهْوَ لا يَدْرِي

خافِضاً: يريدُ مُقيماً في خَفْضٍ ودَعَةٍ.

وقالوا: أنفاسُ المرءِ خطاهُ إلى أجلِه، وأملُه خادِعُه عن عملِه؛ وقال الشاعر:

ما ارْتَدَّ طَرْفُ امْرِئٍ بِلَحْظتِه ... إلا وشَيْءٌ يَموتُ من جَسَدِهْ

وقال أبو العتاهية:

تَظَلُّ تَفْرَحُ بالأيّامِ تَقْطَعُها ... وكُلُّ يومٍ مَضى يُدْنِي من الأجَلِ

وقال عمرو بن قُميئة - شاعرٌ قديمٌ في الجاهلية:

كأنّي وقدْ جاوَزْتُ تِسعينَ حِجَّةً ... خَلَعْتُ بِها عنّي عِذارَ لِجامِي

على الرّاحتيْنِ مَرَّةً وعلى العَصا ... أنُوءُ ثَلاثاً بَعْدَهُنَّ قِيامي

رَمَتْني بناتُ الدَّهْرِ من حيثُ لا أرَى ... فكيفَ بِمَنْ يُرْمَى وليس برَامِ

فلَوْ أنّها نَبْلٌ إذَنْ لاتَّقيْتُها ... ولكنّني أُرْمَى بغيْرِ سِهامِ

قوله: خلعت بها عني عِذار لِجامي: فالعرب تقول: خلَع فلانٌ العِذارَ يريد: خَلَعَ الحَياء، مثل للشاب المُنْهمك في غَيِّه كما يخلع الفرسُ العِذارَ فيجمحُ ويطمحُ لأنّ اللِّجامَ يُمسكه، والعِذار: الذي يَضُمُّ حبلَ الخِطام إلى رأسِ البعير والناقةِ وعلى ذلك يكون معنى قوله: أنّه أسام سرح اللهو حيث أسام الغواة في هذا العمر المديد، ولعله يريد بذلك عدم التماسك كما بينه في البيت الثاني، وقوله: أنوءُ ثلاثاً يعني: أنه ينهض ثلاثَ مرات بانحناء ثم يستقيم، وبنات الدهر: نُوَبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت