وقال يمدح الحقد:
حَقَدتُ عليكَ ذنباً بعدَ ذَنْبِ ... ولَوْ أحْسَنْتَ كانَ الحِقْدُ شُكْرا
أديمي مِنْ أديمِ الأرْضِ فاعْلَمْ ... أُسيء الرَّيْعُ حينَ تُسيء بَذْرا
ولَمْ تكُ، يا لَكَ الخيراتُ، أرْضٌ ... لِتُزْرَعَ خَرْبَقاً فَتُريعَ بُرّا
أؤدِّي إنْ فعلتَ الخيرَ خيراً ... إليكَ وإنْ فعلْتَ الشَّرَّ شرَّا
ولَسْتَ مُكافِئاً بالنُّكرِ عُرْفاً ... ولَسْتُ مُكافِئاً بِالعُرْفِ نُكْرا
يُسَمّى الحِقْدُ عيباً وهْوَ مَدْحٌ ... كما يَدْعونَ حُلْوَ الحَقِّ مُرّا
الخربق: نباتٌ كالسُّمِّ ورقُه أبيض وأسود، والبُرّ: القمح
وأراد يحيى بن خالد بن برمك وزيرُ الرشيد أن يَضعَ من عبد الملك بن صالح فقال له: يا عبد الملك بلغني أنّك حقودٌ! فقال عبد الملك: أيّها الوزير، إنْ كان الحقدُ هو بقاءَ الخيرِ والشرّ إنّهما لباقيانِ في قلبي، فقال الرشيد: ما رأيْتُ أحداً احتجَّ للحقد بأحسنَ مما احتجّ به عبدُ الملك، وقال ابنُ الرومي يمدح الحقد أيضاً وقد عابه عائِبٌ:
لَئِنْ كُنْتَ في حِفظي لِما أنا مُودَعٌ ... مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ انْتَحَيْتَ على عِرْضي
لَما عِبْتَني إلا بِفَضْلِ إبانَةٍ ... ورُبَّ امْرئٍ يُزري على خُلُقٍ مَحْضِ
ولا عيبَ أنْ تُجزى القُروضُ بِمِثْلها ... بلِ العيبُ أنْ تَدّانَ دَيْناً ولا تقضي
وخيرُ سَجيَّاتِ الرِّجالِ سَجيَّةٌ ... تُوفِّيكَ ما تُسدي من القَرْضِ بالقَرْضِ
إذا الأرْضُ أدَّتْ ريعَ ما أنْتَ زارِعٌ ... مِنَ البَذْرِ فيها فَهْيَ ناهيكَ مِنْ أرْضِ
ولَولا الحُقودُ المُسْتَكنَّاتُ لم يكُنْ ... لِيَنْقُضَ وِتْراً آخِرَ الدَّهْرِ ذو نَقْضِ
وما الحِقْدُ إلاّ تَوْأمُ الشُّكْرِ في الفَتى ... وبَعْضُ السَّجايا يَنْتَهينَ إلى بَعْضِ
فحيثُ تَرى حِقْداً على ذي إساءةٍ ... فَثَمَّ تَرى شُكْراً على حَسَنِ الفَرْضِ
وفي هذا القدر من عبقرياتهم في الحقد كفاية وترى في باب الطبائع ما ينقع غلّتك إن شاء الله.