من يؤثر الموت في العز على الحياة في الذل
قال المتنبي:
عِشْ عَزيزاً أوْ مُتْ وأنْتَ كَريمٌ ... بينَ طَعْنِ القَنا وخَفْقِ البُنودِ
فَرؤوسُ الرِّماحِ أذْهَبُ للغي ... ظ وأشْفى لِغِلِّ صَدْرِ الحَقودِ
لا كَما قَدْ حَييتَ غيرَ حَميدٍ ... وإذا مُتَّ مُتْ غيرَ فَقيدِ
فاطْلبِ العِزَّ في لَظى وذَرِ الذُّ ... لَّ ولَوْ كانَ في جِنانِ الخُلودِ
وقال أبو تمام:
يَرى العَلْقَمَ المَأدومَ بالعِزِّ أرْيَةً ... يَمانيَّةً والأرْيَ بالضَّيْمِ عَلْقَما
ونظر عبد الله بن علي العبّاسي إلى فتًى عليه أبَّهَةُ الشَّرفِ وهْوَ يقاتل مُسْتَبْسِلاً، فناداه: يا فَتى، لكَ الأمانُ ولو كنتَ مروانَ بنَ محمد - آخر الدولة الأموية - فقال: إلا أكُنْه، فلَسْتُ بدونِه، قال: فلكَ الأمانُ مَنْ كُنْتَ، فأطرق ثم قال:
أذُلَّ الحَياةِ وكُرْهَ المَماتِ ... وكُلاً أراهُ طَعاماً وَبيلا
فإنْ لَمْ يكُنْ غيرُ إحْداهما ... فَسَيْراً إلى الموتِ سَيْراً جَميلا
ثم قاتل حتّى قُتل، قال: فإذا هو ابن لمَسْلمةَ بنِ عبد الملك بن مروان.
نهيهم عن مخافة القتل، وحثُّهم على تصور الموت وتمدُّحهم بذلك
قيل لعلي بن أبي طالب: أتقاتل أهلَ الشامِ بالغَداةِ وتَظْهرُ بالعشيِّ في ثوب وَرْداء؟ فقال: أبِالمَوْتِ أخَوّفُ! واللهِ، ما أبالي أسَقَطْتُ على الموتِ أمْ سقط الموتُ عليَّ! وكثيراً ما كان
رضي الله عنه يتمثل:
أيَّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرْ ... يَوْمَ لَمْ يُقْدَرْ أمْ يَوْمَ قُدِرْ
يَوْمَ لمْ يُقْدَر لا أرْهَبُه ... ومِنَ المَقْدورِ لا يُنْجي الحَذَرْ
وقال المتنبي:
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرومِ ... فلا تَقْنَعْ بِما دونَ النُّجومِ
فَطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ صَغيرٍ ... كَطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ
يقول: إذا حاولتَ الشرفَ وخاطرت بنفسِك في سبيل الحصول عليه فلا تقنع بما دون أعلاه، ولا تَرْضَ باليسير منه، فإنَّ طعمَ الموت في الأمر الهيّن كطعمه في الأمر الصعب، وإذن فلا سبيل للمغامر إلا أن يقصِدَ إلى أسمى الأمور
وقال:
يَرى الجُبناءُ أنَّ العَجْزَ عَقْلٌ ... وتِلكَ خَديعةُ الطَّبْعِ اللّئيمِ