فهرس الكتاب
(حثهم على الشكر ولو لِمَنْ ليس على دينهم)
قال رجلٌ لسعيد بن جبير: المجوسيُّ يُوليني خيراً فأشكرُه، ويسلِّمُ عليَّ فأردُّ عليه؟ فقال سعيد: سألت ابنَ عبّاسٍ عن نحو هذا، فقال لي: لو قال لي فرعونُ خيراً لردَدْتُ عليه. . . وسلّم نصرانيٌّ على الشَّعبيِّ، فقال الشَّعبيُّ: وعليك السلامُ ورحمةُ الله، فقال له رجلٌ: سبحانَ الله، تقول لهذا النصرانيِّ ورحمةُ الله! فقال الشَّعبيُّ: أليس في رحمةِ اللهِ يعيش؟ قال: بلى، قال: فما وجهُ الإنكارِ عليّ عافاك اللهُ ورَحِمَنا وإيّاك برحمته؟
(استحياؤهم من المديح)
ولاسيَّما إذا كان مُتكلَّفاً أو مُبالغاً فيه
سمع سيدُنا رسولُ الله رجلاً يثني على آخرَ، فقال: (قَطَعْت مَطاه، لو سَمِعَ ما أفلحَ)
المطا: الظهر وقالوا: استحياءُ الكريم من المدحِ أكثرُ من استحياءِ اللئيمِ من الذَّمِّ. . . وأثنى رجلٌ على هشام بن عبد الملك، فقال: إنّا نكره المدحَ، فقال: لست أمدَحُك ولكنّي أحمدُ اللهَ فيك. . .
وكان أبو بكر الصديق رضوان الله عليه يقول إذا مُدِح: اللَّهمَّ، أنت أعلمُ منّي بنفسي منهم، اللهمّ، اجعلني خيراً مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون. . .
وكان رجلٌ يكثر الثناء على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعَلِمَ من قلبِه خلافَ قوله، فقال له: أنا دونَ ما تقول، وفوقَ ما في نفسك.
وقال الجاحظ: شرُّ الشُّكْرِ، ثناءُ المُواجِه لك المُسْرِف في مدحك،
وخيرُه، ثناءُ الغائبِ عنك، المقتصدِ في وصفك. وقالوا: كن ممّن أفرطَ في تزكيتك أحذرَ ممّن أفرطَ في الزِّرايةِ بك. وقالوا: من مدحَ الرجلَ بما ليس فيه فقد بالغَ في ذمِّه.
وقال أبو فراس الحمداني:
ولا تَقبَلَنَّ القولَ مِنْ كلِّ قائلٍ ... سأُرْضِيكَ مَرأىً لَسْتُ أرْضيكَ مَسْمَعا
وقال الفضيلُ بن عياض: لو شممتم رائحةَ الذُّنوبِ منّي ما قَرِبْتموني. . .
وأُثنِيَ على زاهدٍ، فقال: لو عَرَفْتَ مني ما عرفتُ من نفسي لأبْغَضْتَني.
وقال المتنبّي:
يُحَدَّثُ عَنْ فَضْلِه مُكْرَهَاً ... كأنَّ له مِنه قلباً حَسُودا