فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 465

ومن قولهم في البخيل لا يُرْجى خيرُه ولا يَبِضُّ حَجَرُه:

يُعالِجُ نفسًا بيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ... إذا هَمَّ بالمعروفِ قالتْ لهُ مَهْلا

ومن المستطرف من كناياتهم في هذا المعنى ما يُروى: أنّ امرأةً قالت لزوجها: واللهِ ما يقيم الفأرُ في دارك إلا لحبِّ الوطن. . .

وقال رجلٌ: إني أقصد فلانًا راجيًا نداه، فقال له صاحبه:

تَرْجُو النَّدَى من إناءٍ قَلَّمَا ارْتَشَحَا ... كالمُستَذيبِ لِشَحْمِ الكلبِ مِنْ ذَنَبِهْ

وقال ابن الرومي - وهو من مقذعاته المضحكة:

يُقَتِّرُ عِيسى على نفْسِه ... وليس بباقٍ ولا خالِدِ

ولَوْ يَسْتَطيعُ لِتَقْتِيرِه ... تَنفَّس مِنْ مَنْخَرِ واحِدِ

المنخر: ثقب الأنف وقال آخر:

يُحِبُّ المديحَ أبو خالدٍ ... ويَفْزَعُ من صِلَةِ المادِحِ

كبِكْرٍ تَوَدُّ لَذيذَ النّكاحِ ... وتَهْلَعُ من صَوْلةِ النّاكحِ

وقال البحتري - وهو معنى بديع:

جِدَةٌ يذُودُ البُخْلُ عن أطْرافِها ... كالبَحْرِ يدْفَعُ مِلحُهُ عن مائِه

وقال بشار:

إذا جِئتَهُ في حاجةٍ سَدَّ بابَهُ ... فلَمْ تَلْقَهُ إلا وأنْتَ كَمينُ

إذا سَلّمَ المِسكينُ طار فُؤادُهُ ... مخافةَ سُؤْلٍ واعْتراهُ جُنُونُ

وقال ابن الرومي. وهو كذلك من هجائه المضحك:

تجنَّبْ سليمانَ قُفْلَ النَّدى ... فقد يَئسَ الناسُ من فَتْحِه

ولَوْ كانَ يملكُ أمْرَ استِهِ ... لما طَمِعَ الحُشُّ في سَلْحِه

الحُشُّ: المُستراح - موضع قضاء الحاجة - والسّلح: النجو - الغائط -.

وقال ابن الرومي أيضًا - وهو معنى بديع - وإن كان من بابةٍ غير هذه البابة:

وإذا امْرُؤٌ مَدَحَ امْرءًا لِنوالهِ ... وأطال فيه فقد أرادَ هِجاَءهُ

لو لم يُقَدِّرْ فيه بُعْدَ المُسْتَقَى ... عندَ الورودِ لما أطالَ رِشاَءهُ

الرشاء: حبل الدلو وقالوا: من لم يأت الخير صغيرًا لم يأته كبيرًا، وفي ذلك يقول المعلوط السعدي - وهو شاعر إسلامي:

إذا المَرْءُ أعيَتْه المُروَءةُ ناشِئًا ... فمَطْلَبُها كهْلًا عليه شديدُ

وقالوا في البخيل كلما ازداد ثراءً ازداد بخلًا وكزازةً، والقائل ابن الرومي - والبيتان من أوابده وتوليداته البديعة:

إذا غَمرَ المالُ البَخيلَ وَجَدْتَهُ ... يَزيدُ به يُبْسًا وإنْ ظُنَّ يَرْطُبُ

وليسَ عجيبًا ذاكَ منه فإنَّهُ ... إذا غَمرَ الماءُ الحِجارَةَ تصْلُبُ

وقال:

ألم تَرَ أنَّ المالَ يُهلِكُ أهْلَهُ ... إذا جَمّ آتِيهِ وسُدَّ طريقُهُ

ومَنْ جاورَ الماَء الغزِيرَ مَجَمُّهُ ... وسُدَّ سبيلُ الماءِ فهْوَ غَريقُهُ

وقال:

المالُ يُكْسِبُ رَبَّهُ - ما لم يَفِضْ ... في الراغبينَ إليه - سُوَء ثناءِ

كالماءِ تأسُنُ بئْرُهُ إلا إذا ... خَبَطَ السُّقاةُ جِمامَه بدلاءِ

تأسن: تتغير، وخبطه: ضربه، والجمام: بتثليث الجيم: معظم الشيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت