ومن قولهم في البخيل لا يُرْجى خيرُه ولا يَبِضُّ حَجَرُه:
يُعالِجُ نفسًا بيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ... إذا هَمَّ بالمعروفِ قالتْ لهُ مَهْلا
ومن المستطرف من كناياتهم في هذا المعنى ما يُروى: أنّ امرأةً قالت لزوجها: واللهِ ما يقيم الفأرُ في دارك إلا لحبِّ الوطن. . .
وقال رجلٌ: إني أقصد فلانًا راجيًا نداه، فقال له صاحبه:
تَرْجُو النَّدَى من إناءٍ قَلَّمَا ارْتَشَحَا ... كالمُستَذيبِ لِشَحْمِ الكلبِ مِنْ ذَنَبِهْ
وقال ابن الرومي - وهو من مقذعاته المضحكة:
يُقَتِّرُ عِيسى على نفْسِه ... وليس بباقٍ ولا خالِدِ
ولَوْ يَسْتَطيعُ لِتَقْتِيرِه ... تَنفَّس مِنْ مَنْخَرِ واحِدِ
المنخر: ثقب الأنف وقال آخر:
يُحِبُّ المديحَ أبو خالدٍ ... ويَفْزَعُ من صِلَةِ المادِحِ
كبِكْرٍ تَوَدُّ لَذيذَ النّكاحِ ... وتَهْلَعُ من صَوْلةِ النّاكحِ
وقال البحتري - وهو معنى بديع:
جِدَةٌ يذُودُ البُخْلُ عن أطْرافِها ... كالبَحْرِ يدْفَعُ مِلحُهُ عن مائِه
وقال بشار:
إذا جِئتَهُ في حاجةٍ سَدَّ بابَهُ ... فلَمْ تَلْقَهُ إلا وأنْتَ كَمينُ
إذا سَلّمَ المِسكينُ طار فُؤادُهُ ... مخافةَ سُؤْلٍ واعْتراهُ جُنُونُ
وقال ابن الرومي. وهو كذلك من هجائه المضحك:
تجنَّبْ سليمانَ قُفْلَ النَّدى ... فقد يَئسَ الناسُ من فَتْحِه
ولَوْ كانَ يملكُ أمْرَ استِهِ ... لما طَمِعَ الحُشُّ في سَلْحِه
الحُشُّ: المُستراح - موضع قضاء الحاجة - والسّلح: النجو - الغائط -.
وقال ابن الرومي أيضًا - وهو معنى بديع - وإن كان من بابةٍ غير هذه البابة:
وإذا امْرُؤٌ مَدَحَ امْرءًا لِنوالهِ ... وأطال فيه فقد أرادَ هِجاَءهُ
لو لم يُقَدِّرْ فيه بُعْدَ المُسْتَقَى ... عندَ الورودِ لما أطالَ رِشاَءهُ
الرشاء: حبل الدلو وقالوا: من لم يأت الخير صغيرًا لم يأته كبيرًا، وفي ذلك يقول المعلوط السعدي - وهو شاعر إسلامي:
إذا المَرْءُ أعيَتْه المُروَءةُ ناشِئًا ... فمَطْلَبُها كهْلًا عليه شديدُ
وقالوا في البخيل كلما ازداد ثراءً ازداد بخلًا وكزازةً، والقائل ابن الرومي - والبيتان من أوابده وتوليداته البديعة:
إذا غَمرَ المالُ البَخيلَ وَجَدْتَهُ ... يَزيدُ به يُبْسًا وإنْ ظُنَّ يَرْطُبُ
وليسَ عجيبًا ذاكَ منه فإنَّهُ ... إذا غَمرَ الماءُ الحِجارَةَ تصْلُبُ
وقال:
ألم تَرَ أنَّ المالَ يُهلِكُ أهْلَهُ ... إذا جَمّ آتِيهِ وسُدَّ طريقُهُ
ومَنْ جاورَ الماَء الغزِيرَ مَجَمُّهُ ... وسُدَّ سبيلُ الماءِ فهْوَ غَريقُهُ
وقال:
المالُ يُكْسِبُ رَبَّهُ - ما لم يَفِضْ ... في الراغبينَ إليه - سُوَء ثناءِ
كالماءِ تأسُنُ بئْرُهُ إلا إذا ... خَبَطَ السُّقاةُ جِمامَه بدلاءِ
تأسن: تتغير، وخبطه: ضربه، والجمام: بتثليث الجيم: معظم الشيء.