وكذلك فالسنة تستقل بإيجاب بعض العبادات كزكاة الفطر، أو الوضوء من النوم، أو إيجاب الغسل من التقاء الختانين ولو بلا إنزال، وكوجوب غسل نجاسة الكلب سبعا عند من أوجبه، إلى غير ذلك مما أوجبته السنة استقلالا، وإن السنة تستقل بتحريم بعض الأمور أيضا، ومن ذلك تحريم لبس الرجل للذهب والحرير، وتحريم نكاح المتعة، وتحريم أكل الحمر الأهلية، وتحريم أكل كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير، وتحريم بيع المسلم على بيع أخيه وخطبته على خطبة أخيه، وتحريم التفاضل في الأصناف الستة، والأمثلة على ذلك كثيرة لمن تتبع أبواب الفقه، فقد بين رسول الله ما ذكرناه مما أجمل في كتاب الله عز وجل أحسن وأكمل بيان؛ كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وركوعها وسجودها، وبيانه لأنصبة الزكاة ووقتها، وكذلك صفة الحج، ودعانا لاتباعه بقوله: خذوا عني مناسككم. أخرجه مسلم، وقوله: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري. وقال جابر بن عبد الله في حديثه الطويل عند مسلم في صفة الحج: ورسول الله بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، فما عمل به عملنا. ففيه غاية البيان لأهمية السنة، وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: أنت رجل أحمق: أتجد الظهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيه بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو ذلك، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا؟ إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا. وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول الله ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك. وروى سعيد بن منصور عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن. وقال يحيى بن كثير: السنة قاضية (يعني مفسرة) على القرآن، وليس القرآن بقاض على السنة. قال أحمد: السنة تفسر القرآن وتبينه ...