فدعوى لزوم العموم من التخصيص دعوي باطلة فإثباته مجرد التحكم، وأما التعليل فإنهم قالوا: ترتيب الحكم على هذا الوصف المناسب له يقتضي نفي الحكم عما عداه وإلا لم يكن الوصف المذكور علة.
وهذا أيضًا لا يستلزم عموم النفي عن كل ما عداه، وإنما غايته اقتضاؤه نفي الحكم جملة فلا يجوز ثبوته بوصف آخر.
وعلة أخرى؛ فإن الحكم الواحد بالنوع يجوز تعليله بعلل مختلفة وفي الواحد بالعين كلام ليس هذا موضعه، ومثال هذا ما نحن فيه؛ لأن قوله تعالي: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ} [النساء: 95] لا يدل على مساواة المضرورين المجاهدين مطلقًا من حيث الضرورة، بل إن ثبتت المساواة فإنها معللة بوصف آخر وهي النية الجازمة والعزم التام، والضرر المانع من الجهاد في ذلك الحال لا يكون مانعًا من المساواة في الأجر، والله أعلم.
والمقصود الكرم على طبقات الناس في الآخرة، وأما النصوص والأدلة الدالة على فضل الجهاد وأهله فأكثر من أن تذكر هنا، ولعلها أن تفرد في كتاب على هذا النمط إن شاء الله. فهذه الدرجات الثلاث هي درجات السبق، أعني درجة العلم والعدل والجهاد، وبها سبق الصحابة وأدركوا من قبلهم وفاتوا من بعدهم واستولوا على الأمد البعيد وحازوا قصبات العلى، وهم كانوا السبب في وصول الإسلام إلينا وفي تعليم كل خير وهدى وسبب تنال به السعادة والنجاة، وهم أعدل الأمة فيما ولوه، وأعظمها جهادًا في سبيل الله، والأمة في آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة، فلا ينال أحد منهم مسألة