الصفحة 31 من 65

والقسم الثاني معذور ليس من نيته الجهاد ولا هو عازم عليه عزمًا تامًا، فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله، بل قد فضل الله المجاهدين عليه وإن كان معذورًا؛ لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عثمان بن مظعون: «إن الله قد أقع أجره على قدر نيته» [1] ، فلما كان القسم المعذور فيه التفصيل لم يجز أن يساوى بالمجاهد مطلقًا، ولا ينفي عنه المساواة مطلقًا، ودلالة المفهوم لا عموم لها فإن العموم إنما هو من أحكام الصيغ العامة وعوارض الألفاظ، والدليل الموجب للقول بالمفهوم لا يدل على أن له عمومًا يجب اعتباره، فإن أدلة المفهوم ترجع إلي شيئين؛ أحدهما: التخصيص، والآخر: التعليل.

فأما التخصيص: فهو أن تخصيص الحكم بالمذكور يقتضي نفي الحكم عما عداه وإلا بطلت فائدة التخصيص، وهذا لا يقتضي العموم وسلب حكم المنطوق عن جميع صور المفهوم؛ لأن فائدة التخصيص قد تحصل بانقسام صور المفهوم إلي ما يسلب الحكم عن بعضها ويثبت لبعضها ثبوت تفصيل فيه، فيثبت له حكم المنطوق على وجه دون وجه إما بشرط لا تجب مراعاته في المنطوق، وإما في وقت دون وقت، بخلاف حكم المنطوق فإنه ثابت أبدًا، ونحو ذلك من فوائد التخصيص.

وإذا كانت فائدة التخصيص حاصلة بالتفصيل والانقسام

(1) أبو داود (3111) في الجنائز، والنسائي (1846) في الجنائز، ومالك في الموطأ (1/ 233) برقم (36) في الجنائز، وأحمد (5/ 446) ، كلهم عن جابر بن عتيك وليس كما ذكر المصنف، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت