وهناك من الناس مَنْ يُلْزم صاحب المعصية بما لا يَلزم، فَيُلزم حالق اللحية، ومسبل الإزار، وشارب الخمر مثلًا وغيرهم ببغض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمر بإعفاء اللحية وعدم الإسبال والنهي عن شرب الخمر، فيقول لهم: لولا أنكم تبغضون ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، لما فعلتم هذه المنكرات. فهذا إلزام باطل؛ فهناك من الصحابة من حصلت منه بعض المخالفات-كشرب الخمر مثلًا [1] -، ولم يلزمه أحد بذلك الإلزام، بل: لما أُتي بشارب الخمر [2] إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولعنه بعض الصحابة وقال: ما أكثر ما يؤتى به -إلى رسول الله وهو سكران-فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) [3] .
وإلزام هؤلاء بذلك يقتضي إخراج أهل الكبائر من الإسلام، وهذا مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة من أن أهل الكبائر تحت المشيئة: إن شاء الله عفا عنهم، وإن شاء عذبهم على قدر جُرمهم، ثم مآلهم إلى الجنة، والله أعلم) [4] . قال عبد العزيز بن فتحي: (هذا هو الناقض الخامس من نواقض الإسلام، وهو أن يبغض المرءُ شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم-حتى لو كان يعمل به-إذ إن محبة شرع الله
(1) -كقصة عبد الله الملقب بحمار-أخرجها البخاري-ومنها: الزنا، -كقصة ماعز، والغامدية-وقصتهما في: (الصحيحين) - والتجسس، -كقصة حاطب-سوف تجد الكلام عليها هنا في هذا الكتاب- والسرقة، كقصة المخزومية-وهي في (الصحيح) وغيرها.
(2) -اسمه عبد الله، وكان يلقب بحمار، وكان يضحك رسول الله، وكان مبتلى بشربِ الخمر، بل: ومدمن على شربها-بدليل قول الصحابي: (ما أكثر ما يؤتى به) . وقد قال - رضي الله عنه: (مدمن الخمر كعابد وثن) . (صحيح سنن ابن ماجة) (رقم:2720) . لكن هذا الحكم العام لا يجوز حمله على الصحابي لوجود حسنة عنده ترجح على تلك السيئة، وهي حسنة حبه لله ولرسوله، فإن الحسنات يذهبن السيئات. (قواعد في التكفير) (ص:54) .
(3) -رواه البخاري في (صحيحه) (12/رقم:6780 - الفتح) من طريق سعيد ابن أبي هلال، عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر بن الخطاب به. وفي رواية لأبي داود وغيره: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان) ، وفي أخرى: (ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) (صحيح سنن أبي داود) (رقم:3758) . فتأمل كيف أن النبي - رضي الله عنه - نهى عن الدعاء عليه، وأمر بالدعاء له، علمًا أن الحكم العام في شارب الخمر الدعاء عليه باللعن والطرد من رحمة الله. لقوله - رضي الله عنه: (أتاني جبريل، فقال: يا محمد إن الله عز وجل لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومُسقيها) فالتكفير العام-وكذا اللعن العام-الوارد في النصوص الشرعية، لا يصح حمله دائمًا على الأشخاص بأعيانهم ممن قد وقع في ذلك الكفر، لاحتمال وجود موانع التكفير فيهم وانتفاء لوازمه. وقد قال ابن تيمية: (الكفر العام لا يستلزم دائمًا الكفر المعين) . انظر: (قواعد في التكفير) (ص:54) ، وكتاب: (الإيمان) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص:84/إلى:102) تخت عنوان: (باب: الخروج من الإيمان بالمعاصي) . ومما قلته في نظم قواعد التكفير:
اللهُ قَدْ أَوْجَدَ الأَكْوَانَ مِنْ عَدَمِ ... وَعَمَّهَا بِوَفِيرِ الْخَيْرِ وَالنِّعَمِ ...
وَكُلُّ شَيْءٍ بَرَاهُ ثُمَّ قَدَّرَهُ ... سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَارِئَ النَّسَمِ ...
عَلاَمَ يَكْفُرُ إِنْسَانٌ وَيَجْحَدُ مَا ... أَوْلاَهُ مِنْ مِنَنٍ فِي الْبَدْءِ والخَتَمِ ...
إِنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ خَالِقُهُ ... رَبًّا فَكَيْفَ يَرُدُّ الْفَضْلَ بِالرَّغَمِ؟! ...
لاَ يُوجِبُ الْكُفْرُ فِي التَّعْمِيمِ لُذْ بِحِجَى ... كُفْرَ الْمُعَيَّنِ فِي التَّخْصِيصِ فَالْتَزِمِ
كتبه عمر الحدوشي بالسجن المحلي بتطوان5/ربيع الأول/1428هـ.
(4) -انظر: (التبيان شرح نواقض الإسلام) (ص:41/إلى:44) لسليمان علوان.