أرقم مختصر بلفظ: (إذا وعد أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف-ولم يجئ للميعاد- فلا إثم عليه) [1] .
قوله:"إذا وعد"قال صاحب (المحكم) : يقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًا. فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته. وحكى ابن الأعرابي في (نوادره) : أوعدته خيرًا بالهمزة. فالمراد بالوعد في الحديث: الوعد بالخير، وأما الشر فيستحب إخلافه. وقد يجب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة.
وأما الكذب في الحديث فحكى ابن التين عن مالك أنه سئل عمن جرب عليه كذب فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله حدث عن عيش له سلف فبالغ في وصفه، فهذا لا يضر، وإنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصدًا الكذب ... وقال النووي: هذا الحديث عده جماعة من العلماء مشكلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره. قال: وليس فيه إشكال، بل: معناه صحيح والذي قاله المحققون: إن معناه أن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم. قلت: ومحصل هذا الجواب الحمل في التسمية على (المجاز) ، أي: صاحب هذه الخصال كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر.
وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل كما قدمناه. وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة: (هل تعلم فيَّ شيئًا من النفاق؟) فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل. ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله:"كان منافقًا خالصًا". وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال وأن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي. وذكر أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له ديدنًا. قال: ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرر الفعل. كذا قال. والأولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول من (حدث) يدل على العموم، أي: إذا حدث في كل شيء كذب فيه. أو: يصير قاصرًا، أي: إذا وجد ماهية التحديث كذب. وقيل هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا [2] .
(1) -أخرجه أبو داود في: (35) -كتاب الأدب-: (90) باب: في العدة (5/ 268/ رقم: 4995) . من رواية محمد بن المثنى، عن أبي عامر، عن إبراهيم بن طهمان، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبي النعمان، عن أبي وقاص، عن زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وعد الرجل أخاه ... ولم يجيء للميعاد ... ) . من حاشية: (جامع العلوم) (3/ 1251) تحقيق: الشيخ محمد الأحمدي أبو النور.
(2) -انظر: (ضوابط وأصول في التكفير) (ص:44/ 45) لعبد اللطيف بن عبد الرحمن.